تأمل تقييده سبحانه شر الحاسد بقوله: {إِذَا حَسَدَ} [1] ؛ لأن الرجل قد يكون عنده حسد ولكن يخفيه ولا يُرَتِّبُ عليه أذى بوجه ما، لا بقلبه ولا بلسانه ولا بيده، بل يجدُ في قلبه شيئًا من ذلك، ولا يعامِلُ أخاه إلا بما يحبُّ الله، فهذا لا يكاد يخلو منه أحدٌ، إلا من عَصمَهُ الله.
وقيل للحسن البصري:"أيحسدُ المؤمن؟ قال: ما أنساكَ إخوةَ يوسُفَ" [2] . لكن الفرقَ بين القوة التي في قلبه من ذلك وهو لا يطيعُها ولا يأتمر بها، بل يعصيها طاعة لله وخوفًا وحياء منه وإجلالًا له أن يكره نعمه على عباده، فيرى ذلك مخالفة لله وبغضا لما يحب الله ومحبة لما يُبغضُه، فهو يجاهد نفسه على دفع ذلك، ويُلزِمُها بالدعاء للمحسود، وتمنِّي زيادة الخير له، بخلاف ما إذا حقق ذلك وحَسَدَ، ورتَّب على حسده مقتضاه من الأذى بالقلب واللسان والجوارح، فهذا الحسد المذموم، هذا كله حسد تمني الزوال.
وللحسد ثلاث مراتب:
إحداها: هذه.
الثانية: وهي تمني استصحاب عدم النعمة، فهو يكره أن يحدث الله لعبده نعمة، بل يُحب أن يبقى على حاله؛ من جهله أو فقره أو ضعفه أو شتات قلبه عن الله أو قِلَّة دينه، فهو يتمنى دوام ما هو فيه من نقص وعيب، فهذا حسد على شيء مقدَّر، والأول حسدٌ على شيء محقق، وكلاهما حاسدٌ عدوُّ نعمة وعدوُّ عباده، وممقوتٌ عند الله تعالى وعند الناس، ولا يسودُ أبدًا ولا يَرْأس، فإن الناس لا يُسَوِّدُون عليهم إلا من يريدُ الإحسانَ إليهم.
فأما عدو نعمة الله عليهم فلا يُسوِّدُونهم باختيارهم أبدًا إلا قهرًا، يَعُدُّونه من البلاء والمصائب التي ابتلاهم اللهُ بها، فهم يبُغضونه وهو يُبغضهم.
(1) سورة الفلق، من الآية [5] .
(2) أخرجه هناد السري في الزهد (2/ 642) .