إما أن يملكَهُ بإحسانه فيستعبده وينقاد له ويذل له ويبقى من أحب الناس إليه، وإما أن يُفَتِّت كَبِدَهُ ويقطع دابرَهُ إن أقام على إساءته إليه، فإنه يُذيقه بإحسانه أضعاف ما ينال منه بانتقامه، ومن جرب هذا عرفه حق المعرفة، والله هو الموفقُ المعين، بيده الخير كلُّه، لا إله غيره، وهو المسئول أن يستعملنا وإخوانَنَا في ذلك بمنه وكرمه.
وهو الجامع لذلك كله وعليه مدار هذه الأسباب، فالعلم بأن [الحسد ونحوه] آلات بمنزلة حركات الرياح، وهي بيد محركها وفاطرها وبارئها، ولا تضر ولا تنفع إلا بإذنه، فهو الذي يمس عبده بها وهو الذي يصرفها عنه وحده لا أحد سواه، قال تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ} [1] .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-:"وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكَ" [2] . فإذا جرَّد العبدُ التوحيدَ فقد خرج من قلبه خوفُ ما سواه، وكان عدوُّهُ أهون عليه من أن يخافه مع الله تعالى، بل يفردُ اللهَ بالمخافةِ وقد أمَّنه منه، وخرج من قلبه اهتمامه به واشتغاله به وفكره فيه، وتجرَّد لله محبةً وخشيةً وإنابةً وتوكلًا واشتغالا به عن غيره، فيرى أنَّ إعمالهُ فِكْرَهُ في أمر عدوِّهِ وخوفَهُ منه واشتغالَهُ به من نقص توحيده، وإلا فلو جرَّدَ توحيدَه لكان له فيه شغلٌ شاغلٌ، والله يتولى حفظه والدفعَ عنه، فإن الله يدفع عن الذين آمنوا، فإن كان مؤمنًا فاللهُ يدفعُ عنه ولابُدَّ، وبحسب إيمانه يكون دفاع الله عنه، فإن كَمُلَ إيمانُهُ كان دفع الله عنه أتَمَّ دَفْعٍ، وإنْ مَزَجَ مُزِجَ له، وإن كان مرَّةً ومرَّةً فالله له مرَّة ومرَّة، كما قال بعضُ السلف:"من أقبل على الله بكليته أقبل الله عليه جملة، ومن أعرض عن الله بكليته أعرض الله عنه جملةً، ومن كان مرةً ومرةً فالله له مرة ومرة".
فالتوحيد حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين، قال بعض السلف:"من خاف الله خافه كل شيء، ومن لم يَخَفِ الله أخافه من كل شيء".
(1) سورة يونس، من الآية [107] .
(2) أخرجه الترمذي (2516) وغيره من طرق كثيرة. وقال الحافظ ابن رجب في نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس (35) ،ط. البشائر الإسلامية:"وأجود أسانيده من رواية حنش عن ابن عباس، وهو إسناد حسن لا بأس به".