بسم الله الرحمن الرحيم
وَالحَمْدُ لله رَبِّ العالَمين، وَالصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أَشْرَفِ المُرسَلِين - صلى الله عليه وسلم -.
الحمدُ لله الذي قَضى بحِكمتِه الواسِعة وعلمِه المُطلَق أنْ يَخلُق الدُّنيا بِحُلوها ومرِّها، بخيرها وشرِّها، بصفْوها وكدَرها، فلم يشأ أنْ يَجعلها خيرًا صِرفًا، كما لم يُرِد أن يجعلها شرًّا مَحضًا؛ بل جعل لكلِّ خلْق مِن الخير المحبوب نقيضَه من الشرِّ المكروه، فخلقَ الملائكة يُرسِل بهم دعوات الهُدى للبشريَّة، كما خلقَ الشياطين بالوسْوسَة في قلوب الناس بالزيغ والضَّلال، وكما خلق الصحَّة والغِنى، والأفراح والعطاء، كذلك خلَق المرَض والفقْر، والأحزان والحِرمان.
وكذلك قَضَى الرحمنُ بواسِع رحمتِه أنْ يُزيِّن هذه الدُّنيا بالمتاع الزائل مِن الصحَّة والمال والجمال، والبنين والجاه والسُّلطان والنِّساء، وغير ذلك مِن المتاع الفاني لحِكَمٍ عديدةٍ، منها: أنَّه يُذكِّر خلْقَه بنعيم الجنَّة، ومنها: فتنةٌ وامتحانٌ واختبارٌ، كما قَضى برحمته أن يُنغصها على أهلها بشتَّى المُنغِّصات مِن الأمْراض النفسيَّة والجسَديَّة والرُّوحيَّة، والفقْر والآلام المُختلِفة، حتَّى لا يَركَن إليها النَّاس، ولعلَّهم يَشعُرون بضعفِهم، فلا يتكبَّرون فيها، ولا يتغطرسون، وحتَّى يَشعُروا بدوام حاجتِهم إلى خالقهم -جلَّ وعلا- فيَرجعوا إليه طالبين الأمْن والأمان، والحفْظ والرِّعاية مِن كلِّ ما في هذه الدُّنيا مِن شُرور ومَخاطِر.
ألا ومِن تلك الشُّرور والمَخاطِر التي مُلئتْ بِها الدُّنيا أذى الشَّياطين بصوره الشتَّى، وأنواعِه المُختلِفة: (السحر والحسد) .
وقد انقسَم النَّاس تُجاههما ثلاثة أقسام:
القسم الأوَّل: المفرِّطون: وهم المُنكِرون الذين يَعتبرون أنَّ كلَّ هذه الابتلاءات مَحضُ تَخاريف، لا أساس لها مِن الصحَّة ألبتَّة.
ولا مِراء في زيغ هذه الطائِفة عن الحقِّ؛ إذ يُنكِرون ما أثبته القرآن الكريم، وأخبرَتْ به السُّنَّة المُطهَّرة، مما لا يدعُ أدنى مجالٍ لِمُسْكة من ريب.
القسم الثاني: المفرطون: وهم المُغالون الذين يَرجِعونَ أيَّ أذًى في حياتِهم إلى هذا السَّبب وحدَه، فلا يُصاب أحدُهم بمرَض مِن الأمراضِ التي تُصيب النَّاس إلا أرجَع ذلك إلى الجنِّ، والشَّياطين، حتَّى إنْ