والحسد الثالث: حسد الغبطة، وهو تمني أن يكون له مثل حال المحسود من غير أن تزول النعمةُ عنه، فهذا لا بأس به ولا يُعَابُ صاحبُه، بل هذا قريبٌ من المنافسة، وقد قال تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [1] .
وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"لا حسدَ إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه اللهُ مالًا؛ فسلَّطَ على هَلَكَتِه في الحقِّ، ورجلٌ آتاه اللهُ الحكمةَ؛ فهو يَقضي بها ويُعلمُها" [2] ، فهذا حَسَد غِبْطة، الحاملُ لصاحبه عليه كِبَر نفسه، وحُبُّ خصال الخير، والتشبه بأهلها، والدخول في جملتهم، وأن يكون من سُبَّاقهم وعِلْيَتِهم ومُصَلِّهم لا من فَسَاكِلِهم [3] ، فتحدث له من هذه الهمة المنافسة والمسابقة والمسارعة مع محبته لمن يغبطه، وتمني دوام نعمة الله عليه، فهذا لا يدخل في الآية بوجه ما.
فسورة الفلق [4] من أكبر أدوية المحسود، فإنها تتضمن التوكل على الله والالتجاءَ إليه والاستعاذة به من شرِّ حاسد النعمة، فهو مستعيذٌ بولي النعم وموليها من شرِّ لِصِّها وعدوها كأنه يقول: يا من أولاني نعمته وأسداها إليَّ، أنا عائذٌ بك من شر من يريُد أن يستلبَها مني، ويُزيلها عني فلا يعيذني منه سواك، فهو مستجير بمن أنعم عليه من عدوِّ نعمته، والله تعالى يُجير ولا يجار عليه، وهو حسب من توكل عليه، وكافي من لجأ إليه، وهو الذي يؤمِّنُ خوف الخائف، ويجبر المستجير، وهو نِعْمَ المولى ونعم النصير، فمن تولاه واستنصر به وتوكل عليه وانقطع بكليته إليه، تولاه وحفظه وحرسه وصانه، ومن خافه واتَّقاهُ آمَنَهُ مما يخافُ ويحذرُ، وجلب إليه كل ما يحتاج إليه من المنافع: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [5] فلا تستبطئ نصره ورزقه وعافيته، فإن الله تعالى بالغ أمره، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا، لا يتقدَّم عنه ولا يتأخر، ومن لم يَخَفْهُ أخافه من كل شيء، وما خاف أحدٌ غير الله إلا لنقص خوفه من الله، قال تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ
(1) سورة المطففين، من الآية [26] .
(2) متفق عليه: أخرجه البخاري (73) ، ومسلم (815) من حديث عبد الله بن عمر.
(3) المُصَلِّي ما يسبق الفرس، وتأتي بعد المجلي، أما الفساكل فجمع فُسْكُلن وهو: ما يجيء آخر الحلبة من الخيل. انظر: القاموس (1681 - 1346) .
(4) من أفضل ما كتب في تفسيرها المعوذتين تجده في بدائع الفوائد، لابن القيم (2/ 699 - 825) .
(5) سورة الطلاق، من الآيتان [2 - 3] .