فإذا صار كذلك فكيف يرضى لنفسه أن يجعل بيت أفكاره وقلبه معمورًا بالفكر في حاسده والباغي عليه، والطريق إلى الانتقام منه والتدبير عليه؟
هذا ما لا يتسع له إلا قلبٌ خرابٌ لم تسكن فيه محبَّة الله وإجلالُه وطلب مرضاته؛ بل إذا مسه طيفٌ من ذلك واجتاز ببابه من خارج ناداه حرس قلبه: إيَّاك وحِمى المَلِك، اذهب إلى بيوت الخانات التي كل من جاء حَلَّ فيها ونزل بها، ما لك ولبيت السلطان الذي أقام عليه اليَزَك [1] وأدار عليه الحرس وأحاطه بالسور.
قال تعالى حكاية عن عدوه إبليس أنه قال: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83) } [2] قال تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [3] ، وقال: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100) } [4] وقال في حق الصديق: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [5] فما أعظم سعادة من دخل هذا الحصن وصار داخل اليَزَك، لقد آوى إلى حصن لا خوف على من تحصن به، ولا ضيعَةَ على من آوى إليه، ولا مطمع للعدو في الدُنُوِّ إليه منه و {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4) } [6] .
(1) كلمة فارسية، معناها: طليعة الجيش. انظر معجم المطلحات والألقاب التاريخية (446) .
(2) سورة ص، الآيتان [82 - 83] .
(3) سورة الحجر، من الآية [42] .
(4) سورة النحل، الآيتان [99 - 100] .
(5) سورة يوسف، من الآية [24] .
(6) سورة الجمعة، الآية [4] .