فهرس الكتاب
اللَّهِ وفي هذه الآية وما أشبهها أن الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير، فإنها تابعة للقضاء والقدر ليست مستقلة في التأثير، ولم يخالف في هذا الأصل من فرق الأمة غير القدرية في أفعال العباد، زعموا أنها مستقلة غير تابعة للمشيئة، فأخرجوها عن قدرة الله، فخالفوا كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة والتابعين.
ثم ذكر أن علم السحر مضرة محضة، ليس فيه منفعة لا دينية ولا دنيوية كما يوجد بعض المنافع الدنيوية في بعض المعاصي، كما قال تعالى في الخمر والميسر: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} فهذا السحر مضرة محضة، فليس له داع أصلا فالمنهيات كلها إما مضرة محضة، أو شرها أكبر من خيرها.
كما أن المأمورات إما مصلحة محضة أو خيرها أكثر من شرها.
{وَلَقَدْ عَلِمُوا} أي: اليهود {لَمَنِ اشْتَرَاهُ} أي: رغب في السحر رغبة المشتري في السلعة.
{مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ} أي: نصيب، بل هو موجب للعقوبة، فلم يكن فعلهم إياه جهلا ولكنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة.
{وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} علما يثمر العمل ما فعلوه [1] .
فإذا لم يكن للسحر حقيقة، فماذا يُعلمون؟ وماذا يتعلم الناس؟ ويكفي في الدلالة على المطلوب تصريح النص القرآني بأن الساحر يُفرق بين المرء وزوجه، وأنه يضر بسحره الناس [2] .
الدليل الثاني: قال تعالى: چ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) چ [الفلق] والنفاثات في العقد الساحرات اللواتي يعقدن في سحرهن، وينفثن عليه، فلولا أن للسحر حقيقة لما أمر الله بالاستعاذة منه [3] .
ويجلي حقيقة السحر ما حدث مع النبي - صلى الله عليه وسلم - من سحر اليهودي له.
الدليل الثالث: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَهُودِيٌّ مِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ يُقَالُ لَهُ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ، قَالَتْ: حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ
(1) تيسير الكريم الرحمن (61) .
(2) عالم السحر والشعوذة (91) .
(3) عالم السحر (91) .