وأمَّا ما يذكره بعضهم من أن الحنابلة اتهموه في عقيدته فلم أر عليه دليلًا، بل ما يذكر أنه كتبه خلال هذه المدة من البلوى، فكتب عقيدته التي تُسمَّى «صريح السنَّة» ، ولمَّا سئل عن أحمد ذكر ما له من التبجيل والمنزلة اللائقة به، ثم انفرجت تلك المحنة عنه بعد حين.
وأقول بصراحة: إن أسباب تلك المحنة لم تزل بعدُ غامضة الدوافع والنتائج والحيثيات، وعليه فلا نطيل فيها، والحمد لله على العافية، وهم جميعًا أفضوا إلى بارئهم، وهو سبحانه يقابلهم بعفوه وعطفه.
ونقل الحموي عن أبي بكر بن كامل صاحب ابن جرير قال: حضرت أبا جعفر حين الوفاة فسألته أن يجعل كل من عاداه في حلٍّ، وأن يصفح عمن تجنّوا عليه، وكنت أقصد أبا الحسن بن الحسين الصواف، إذ كنت قرأت عليه القرآن، فقال أبو جعفر - رحمه الله - كل من عاداني وتكلّم عني في حلٍّ، إلا رجلًا رماني ببدعة.
وكان الصوّاف من أصحاب أبي جعفر، وكانت في سلامة، ولم يكن من أصحاب الضبط والتدقيق، فلما أملى أبو جعفر «ذيل المذيل» ذكر أبا حنيفة وأطراه، ووصفه بالعلم والورع، فاغتاظ الصوَّاف؛ لأنّ أبا جعفر مدح أبا حنيفة وأهمله، فجعل يتهجم على أبي جعفر.
ويقول ابن كامل: إن الطبري كان إذا عرف من إنسان بدعة أبعده واطرحه.
فعامّة أخباره - رحمه الله - تنمّ عن شدة على المبتدعة والتحذير منهم، وإبطال حججهم بالدلائل النقلية والعقلية، لا سيما أهل البدع الغلاة كالرافضة والجهمية والمعتزلة والخوارج وهم المنتشرون في زمنه، رحمة الله تعالى عليه.
والمقصود أن ابن جرير رحمه الله قد توعد كل من يتهمه في عقيدته ودينه، أو ينحله قولًا لم يقله، أو يتجاوز عليه في قوله، أو يحمله ما لا يحتمل، أو من روى عنه خلاف ما قرره هو بنفسه في عقيدته المسماة بـ «صريح السنة» أو كتبه المنسوبة إليه حقًا، أو افترى عليه كذبًا وبهتانًا، وهذه عادة المغرضين والحساد والحاقدين - توعد كل هؤلاء بقوله في آخر عقيدته:
«فمن تجاوز ذلك فقد خاب وخسر وضل وهلك فليبلِّغ الشاهد منكم أيها الناس من بَعُدَ منا أو قرب، فديننا الذي ندين الله به في الأشياء التي ذكرناها ما بيناه لكم على ما وصفنا، فمن روى عنا خلاف ذلك أو أضاف إلينا سواه أو نحلنا في ذلك قولًا غيره فهو كاذب مفتر متخرص معتد يبوء بسخط الله وعليه غضب الله ولعنته في الدارين، وحق على الله أن يورده المورد الذي وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أضرابه، وأن يحله المحل الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أن الله سبحانه يحله أمثاله على ما أخبره به صلى الله عليه وسلم.