ويقول عمرو بن العاص - رضي الله عنه - عند موته لابنه:"... فلما جعَل الله الإسلام في قلبي، أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت: ابسُط يمينك فلأُبايعك، فبسَط يمينه، قال: فقبضتُ يدي، قال: (( ما لك يا عمرو؟ ) )، قال: قلتُ: أردتُ أن أشترط، قال: (( تَشترط بماذا؟ ) )، قلت: أن يُغفَر لي، قال: (( أمَا علِمت أن الإسلام يهدِم ما كان قبله، وأن الهجرة تَهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله ) )، وما كان أحد أحبَّ إليّ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أجَل في عيني منه، وما كنت أُطيق أن أملأ عيني منه؛ إجلالًا له، ولو سُئِلت أن أصِفه، ما أطَقت؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه، ولو مِتُّ على تلك الحال، لرجوت أن أكون من أهل الجنة ..."، وتقدَّم بطوله في قصة إسلام النجاشي.
-وخافوا - رضي الله عنهم - من تقصيرهم في تأدُّبهم معه - صلى الله عليه وسلم؛ فعن موسى بن أنس، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: افتقَد النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ثابتَ بن قيس - رضي الله عنه - فقال رجل: يا رسول الله، أنا أعلم لك عِلمه، فأتاه فوجَده جالسًا في بيته، مُنكسًا رأسه، فقال: ما شأنك؟ فقال: شرٌّ، كان يرفع صوته فوق صوت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد حبِط عمله، وهو من أهل النار.
فأتى الرجل، فأخبره: أنه قال كذا وكذا، فقال موسى بن أنس: فرجع المرة الآخرة ببشارة عظيمة، فقال: (( اذهب إليه، فقل له: إنك لستَ من أهل النار، ولكن من أهل الجنة ) ) [1] .
وأما التأدُّب معه - صلى الله عليه وسلم - بعد موته، فيكون بأمور؛ منها:
أولًا: التواضع والإجلال له عند ذِكره - صلى الله عليه وسلم - وعند قراءة حديثه؛ كان الإمام مالك بن أنس - رضي الله عنه - إذا أراد أن يقرأ حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضَّأ وجلَس على صدر فراشه، وسرَّح لِحيته، وتمكَّن من
(1) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، ح (3613) .