الثالث: يجوز المسح على الجَوربين مطلقًا ولو كانا رقيقين: وهو ظاهر مذهب ابن حزم، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ورجَّحه ابن عثيمين وابن باز والشنقيطي.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: (المسح على الجوارب - وهي الشراب - قد ورد فيه حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحَّ عن غير واحد من الصحابة أنه مسح على الجوارب، ولو قدرنا أنه ليس فيه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا أثر عن الصحابة، فإن القياس الصحيح الجلي يقتضي جواز المسح على الجوربين - أي الشراب - وذلك لأننا نعلم أن الحكمة من جواز المسح على الخفين هي المشقة التي تحصل بخلعهما عند الوضوء، ثم غسل الرِّجل، ثم إدخالها وهي رطبة، فإن في ذلك مشقة من جهة النزع واللبس، ومن جهة إدخال الرِّجل وهي رطبة، وهذه الحكمة المعقولة الواضحة تكون تمامًا في الجوربين؛ فإن في نزعهما مشقة، وفي إدخالهما والرجل رطبة مشقة أخرى؛ لذلك نرى أن النص والنظر كلاهما يدل على جواز المسح على الجوربين، ولكن هل يشترط في الجوربين - أي الشراب - أن يكونا صفيقين بحيث لا يرى من ورائهما الجلد أو لا يشترط؟ هذا محل خلاف بين العلماء، منهم من قال: يشترط أن يكونا ثخينين لا يصفان البشرة، وإنه لو حصل خرق ولو يسير فإنه لا يجوز المسح عليها، ومنهم من قال: يشترط أن يكونا ثخينين يمنعانِ وصول الماء إلى الرجل وإن لم يكونا ساترين، وعلى هذا فيجوز المسح على الجوربين إذا كانا من النايلون الشفاف، ومنهم من قال: لا يشترط ذلك كله، وأنه يجوز المسح على الجوربين الرقيقين، ولو كان يرى من ورائهما الجلد، ولو كانا يمكن أن يمضي الماء منهما إلى القدم، وهذا القول هو الصحيح؛ لأنه لا دليل على الاشتراط، والحكمة من جواز المسح موجودة في الرقيقين، كما هي موجودة في الثخينين، وعلى هذا فيجوز المسح على الجوربين الخفيفين، كما يجوز على الجوربين الثَّخِينين) .
وسئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين: عن حُكم المسح على الجوربين المخرق والخفيف؟
فأجاب رحمه الله: (القول الراجح أنه يجوز المسح على الجورب المخرق والجورب الخفيف الذي تُرى من ورائه البشرة؛ لأنه ليس المقصود من جواز المسح على الجورب ونحوه أن يكون ساترًا؛ فإن الرِّجل ليست عورة يجب سترها، وإنما المقصود الرخصة على المُكلَّف والتسهيل عليه، بحيث لا نُلزمه بخلع هذا الجورب أو الخف عند الوضوء، بل نقول: يكفيك أن تمسح عليه، هذه هي العلة التي من أجلها شُرع المسح على الخفين، وهذه العلة - كما ترى - يستوي فيها الخف أو الجورب المخرق والسليم والخفيف والثقيل) .