مخالفٌ لصريح حديث ابن عباس رضي الله عنهما، ولا منافاة بينه وبين الحديث الأول حديث ابن عمر رضي الله عنهما؛ لأن هذا جرى في وقت، وذلك في وقت، وكلاهما صحيح).
ويتضح من كل ذلك أنه يجوز للمؤذن حين العذر في الشتاء أن يقول: (ألا صلوا في رحالكم) ، أو (الصلاة في الرحال) ، أو (صلوا في بيوتكم) أثناء الأذان بدلًا من (حي على الصلاة) (حي على الفلاح) ، أو أن يقولها بعد (حي على الصلاة) (حي على الفلاح) ، أو أن يقولها بعد انتهاء الأذان، والأمر في هذا واسع، سواء قالها في أثناء الأذان أو بعد الفراغ منه، فكله جائز بإذن الله تعالى.
ثانيًا: جواز التخلُّف عن صلاة الجماعة لعُذر الشتاء:
إن الأدلة التي ذكرناها في مسألة الأذان في الشتاء صريحةُ الدلالة على جواز التخلف عن صلاة الجماعة لعذر الشتاء، قال القرطبي: (وظاهرها جواز التخلف عن الجماعة للمشقة اللاحقة من المطر والريح والبرد، وما في معنى ذلك من المشاقِّ المحرجة في الحضر والسفر) ، وقال ابن قدامة المقدسي الحنبلي: (ويُعذَر في ترك الجماعة بالريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة) ، قال ابن بطال المالكي: (أجمع العلماء أن التخلف عن الجماعة في شدة المطر والريح وما أشبه ذلك: مُباحٌ) .
ومما يدل على جواز التخلف عن المسجد في المطر عمومُ قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبدالله بن عباس رضي الله عنه: (من سمع النداء ولم يُجب فلا صلاةَ له، إلا من عذر) ؛ (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في كتابه الشرح الممتع: (قوله:(أو أذى بمطر أو وحل) وهذا نوعٌ عاشرٌ من أعذار ترك الجمعة والجماعة، فإذا خاف الأذى بمطر أو وحلٍ؛ أي: إذا كانت السماء تمطر، وإذا خرج للجمعة أو الجماعة تأذى بالمطر - فهو معذور، والأذية بالمطر أن يتأذى في بل ثيابه، أو ببرودة الجو، أو ما أشبه ذلك، وكذلك لو خاف التأذي بوحل، وكان الناس في الأول يعانون من الوحل؛ لأن الأسواق طين، فإذا نزل عليها المطر حصل فيها الوحل والزلق، فيتعب الإنسان في الحضور إلى المسجد، فإذا حصل هذا فهو معذورٌ، وأما في وقتنا الحاضر فإن الوحل لا يحصل به تأذٍّ؛ لأن الأسواق مزفتة، وليس فيها طين، وغاية ما هنالك أن تجد في بعض المواضع المنخفضة مطرًا مجتمعًا، وهذا لا يتأذى به الإنسان، لا بثيابه ولا بقدَميه؛ فالعذر في مثل هذه الحال إنما يكون بنزول المطر، فإذا توقف المطر فلا عذر، لكن في بعض