فهرس الكتاب

الصفحة 205 من 269

تصرف القلب عن صحته واستقامته إلي مرضه وانحرافه فلا يزال مريضًا معلولا ً لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته وصلاحه. فإن تأثير الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان. بل الذنوب أمراض القلوب وداؤها، ولا دواء ألا بتركها، وقد أجمع السائرون إلي الله أن القلوب لا تعطي مناها حتى تصل إلي مولاها، ولا تصل إلي مولاها حتى تكون صحيحة سليمة ولا تكون سليمة حتى ينقلب داؤها فيصير دواءها ولا يصح لها ذلك إلا بمخالفة هواها وهواها مرضها وشفاؤها مخالفتة فإن استحكم المرض قتل أو كاد فهي إن رضي العبد أم أبي تضعف في القلب تعظيم الرب جل جلاله وتضف وقاره في قلب العبد لابد شاء أم أبي ولو تمكن وقار الله وعظمته في قلب العبد لما تجرأ علي معاصية.

وقد قسمت تأثير المعاصي علي القلب إلي: ــ

(1) وحشة يجدها العاصي في قلبة

* ولو اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها لم تق من تلك الوحشة وهو يحس بظلمة الليل ألبهيم إذا ادلهم فتصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسية لبصره فإن الطاعة نور والمعصية ظلمة وكلما قويت الظلمة زادت حيرته حتى يقع في الضلالات والأمور المهلكة وهو لا يشعر كأعمي خرج في ظلمة الليل عشي وحده وتقوي هذه الظلمة حتى تظهر في العين ثم تقوي حتى تعلو الوجه وتصير سوادا فيه يراه كل أحد.

قال عبد الله بن عباس: (إن للحسنة ضياء في الوجه ونورًا في القلب وسعة في الرزق وقوة في البدن ومحبه في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواد في الوجه وظلمه في القلب ووهنًا في البدن ونقصًا في الرزق وبغضًا في قلوب الخلق. [1]

(2) تطفي غيرة القلب فهي تطفئ من القلب نار الغيرة التي هي لحياته وصلاحه كالحرارة الغريزية لحياة جميع البدن فالغيرة حرارته وناره التي تخرج ما فيه من الخبث والصفات المذمومة كما يخرج الكير خبث الحديد والذهب والفضة وأشرف الناس وأعلاهم همه أشدهم غيره علي نفسه وخاصته وعموم الناس ولهذا كان النبي أغير الخلق علي الأمة والله سبحانه أشد غيره منه

(1) الداء والدواء بن القيم)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت