فمحاسبة النفس هو نظر العبد في حق الله عليه أولا ً ثم نظره هل قام به كما ينبغي وأفضل الفكر الفكر في ذلك فإنه يسير القلب إلي الله ويطرحه بين يديه ذليلا ً خاضعًا منكسرًا كسرًا فيه جبره ومفتقرا فقرا فيه غناه وذليلا ً ذلا ً فيه عزه ولو عمل من الأعمال ما عساه أن يعمل فإنه إذا فاته هذا فالذي فاته من البر أفضل من الذي ناله.
فالسعيد الذي يستطيع أن يكبح جماح نفسه فيلزمها بالطاعة ويصرفها عن المعصية والفرق بين الذنوب التي يكون وراءها النفس والتي وراءها الشيطان أن ذنوب النفس هي الذنوب التي تعودها الإنسان وأدمنها وداوم علي فعلها فهذه الذنوب يكون المزين لها والدافع لها النفس
تعريف الهوى:
ميل الطبع إلي ما يلائمه وهذا الميل قد خُلق في الإنسان لضرورة بقائه فأنه لولا ميله إلي المطعم ما أكل وإلي المشرب ما شرب و إلي المنكح ما نكح وكذلك كل ما يشتهيه، فالهوى مستجلب له ما يريد كما أن الغضب دافع عنه ما يؤذي فلا يصلح ذم الهوى علي الإطلاق وإنما يُذم المفرط من ذلك وهو ما يزيد علي جلب المصالح ودفع المضار ولما كان الغالب من مواقف الهوى أنه لا يقف منه علي حد المنتفع أطلق والشهوات لعموم غلبة علي الضرر. قال رسول الله: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به". [1] "
اعلم أن مطلق الهوى يدعوا إلي اللذة الحاضرة من غير فكر في عاقبة ويحث علي نيل الشهوات عاجلا ً وإن كانت سببًا للألم والأذى في العاجل ومنع لذات في الأجل فأما العاقل فإنه نهي نفسه عن لذة تعقب آلما وشهوة تورث ندمًا وكفي بهذا القدر مدحًا للعقل وذمًا للهوي.
وبهذا القدر فضل الآدمي علي البهائم لأن البهائم واقفة مع طباعها لا نظر لها إلي عاقبة ولا فكر في مال.
(1) أخرجه أبو نعيم في كتاب الأربعين والطبري وابن رجب في جامع العلوم، ص 434 وقال النووي حديث حسن صحيح)