وعن عقبه بن صهبان الهنائي قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن قول الله عز وجل:"ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله"[فاطر، الآية رقم 32) فقالت: يا بني هؤلاء في الجنة أما السابق فمن مضي علي عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم وشهد له رسول الله صلي الله عليه وسلم بالجنة والرزق وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلك فجعلت نفسها معنا.
وفي كتاب الزهد للإمام أحمد: أن رجلا ً من بني إسرائيل تعبد ستين سنة في طلب حاجة فلم يظفر بها فقال في نفسه والله لو كان فيك خير لظفرت بحاجتك فأتي في منامه فقيل له أرأيت ازدراءك نفسك تلك الساعة فإن خير من عبادتك تلك السنين. فالنفس داعية إلي المهالك معينة للأعداء طامحة إلي كل قبيح متبعة لكل سوء فهي تجري بطبعها في ميدان المخالفة.
فالنعمة التي لا خطر لها الخروج منها والتخلص من رقها فإنها أعظم حجاب بين العبد وبين الله تعالي وأعرف الناس بها أشدهم إزدراء عليها ومقتًا لها.
ومقت النفس في ذات الله من صفات الصديقين ويدنو العبد به من الله تعالي في لحظة واحدة أضعاف ما يدنو بالعمل. ومن فوائد محاسبة النفس أيضًا: أن يعرف العبد بذلك حق الله تعالي ومن لم يعرف حق الله تعالي عليه فإن عبادته لا تكاد تجدي عليه وهي قليلة المنفعة فمن أنفع ما للقلب النظر في حق الله علي العباد فإن ذلك يورثه مقت نفسه وإلازراء عليها ويخلصه من العجب ورؤية العمل ويفتح له باب الخضوع والذل والانكسار بين يدي ربه واليأس من نفسه وأن النجاة لا تحصل إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته فإن من حقه أن يطاع ولا يعصي وأن يذكر فلا ينسي وأن يشكر فلا يكفر.
فمن نظر إلي هذا الحق الذي لربه عليه علم علم اليقين أنه غير مؤد له كما ينبغي وأنه لا يسعه إلا العفو والمغفرة وأنه إن أحيل علي عمله هلك.
فهذا محل نظر أهل المعرفة بالله تعالي وبنفوسهم وهذا الذي أيأسهم من أنفسهم وعلق رجاءهم كله بعفو الله ورحمته.
وإذا تأملت حال أكثر الناس وجدتهم بضد ذلك ينظرون في حقهم علي الله ولا ينظرون في حق الله عليهم ومن هنا انقطعوا عن الله وحجبت قلوبهم عن معرفته ومحبته والشوق إلي لقائه والتنعم بذكره وهذا غاية جهل الإنسان بربه وبنفسه.