فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 269

لا يمكن لأي إنسان أو لأي أحد أن يتحدث عن الشيطان دون أن يتحدث عن القلب وذلك لما للقلب من هيمنه وسيطرة وتحكم وأمر ونهي علي جميع أعضاء البدن. لذلك سأتحدث عن القلب بكلام ابن القيم في كتابة القيم [1] حيث قال: القلب لهذه الأعضاء كالملك المتصرف في الجنود التي تصدر كلها عن أمره ويستعملها فيما شاء فكلها تحت عبوديته وقهره وتكتسب منه الاستقامة والزيغ وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يحله.

قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:"ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" [2] فهو ملكها وهي المنفذة لما يأمرها به القابلة لما يأيتها من هدايته ولا يستقيم لها شئ من أعمالها حتى تصدر عن قصده ونيته وهو المسئول عنها كلها لأن كل راع مسئول عن رعيته. أ. هـ

والقلب هو محل الاختبار لأنه بأصل فطرته صالح لقبول آثار الملك ولقبول آثار الشيطان صلاحًا متساويًا. وقدر وري الإمام مسلم أن النبي قال: (تعرض الفتن علي القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا فأي قلب أشربها نكتت فيه نكته سوداء وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكته بيضاء حتى تصير علي قلبين قلب أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة مادامت السماوات والأرض والآخر أسود مربٌادًا كالكوز مجخيًٌا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه. [3]

فقد شبه الرسول عرض الفتن علي القلوب شيئًا فشيئًا كعرض عيدان الحصير شئيًا فشيئًا، وقسم القلوب عند عرضها عليها إلي قسمين: قلب إذا عرضت عليه الفتنه أشربها كما يشرب الإسفنج الماء فنكتت فيه نكته سوداء كما يلوث الثوب الأبيض ببقعة القار التي تظهر فيه سوداء فلا يزال يشرب كل فتنه تعرض عليه حتى يسود وينتكس وهو معني قول الرسول كالكوز مجخيًا أي مكبوتًا منكوسًا فإذا اسود كان عرضه لهلاك صاحبه والفتن التي تعرض علي القلوب يكون رسولها وجهاز إرسالها هو الشيطان وقلب ثان مضيء منير قطع حبل الوصال مع الشيطان أغلق هذا القلب أمام الشيطان كل سبل الوصل إلي حصنه ورفع أسوار جدرانه وغلق

(1) إغاثة اللهفان (3/ 5)

(2) جزء من حديث البخاري (1/ 126 ) )

(3) رواه مسلم (2/ 2270 / 27، 272) الإيمان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت