الذي تضرب به دابة قويه لا يؤلمها المًا مبرحًا فلا يسوقها إلي المقصد ولا يصلح لرياضتها وهكذا خوف الناس إلا العلماء العارفين.
قال الفضيل بن عياض: إذا قيل لك هل تخاف الله فاسكت فإنك إن قلت لا كفرت وإن قلت نعم كذبت.
وأشار الفضيل إلي الخوف الذي هو يكف الجوارح عن المعاصي ويقيدها بالطاعات. وقيل كذلك ليس الخائف من بكي ومسح عينيه بل من يترك ما يخاف أن يعاقب عليه وقال بعضهم من خاف شيئًا هرب منه ومن خاف الله هرب إليه. وقيل لبعضهم متى يكون العبد خائفًا قال: إذا ترك نفسه منزله السقيم الذي يحتمي مخافة طول السقام
والخوف بحرق الشهوات المحرمة فتصير المعاصي المحببة عنده مكروهه كما كما يصير العسل مكروه عند من يشتهيه إذا عرف أن فيه سمًا فتحرق الشهوات بالخوف وتتأدب الجوارح ويحصل في القلب الخشوع والذلة والاستكانة ويفارق الكبر والحقد والحسد بل يصير مستوعبًا الهم بخوفه والنظر في خطر عاقبته فلا يتفرغ لغيره ولا يكون له شغل إلا المراقبة والمحاسبة والمجاهدة والبخل بالأنفاس واللحظات ومؤاخذة النفس بالخطرات والخطوات والكلمات ويكون حاله حال من وقع في مخالب سبع ضار لا يدري أنه يغفل عنه فيفلت أويهجم عليه فيهلك فيكون ظاهره وباطنه مشغولا. بما هو فيه خائفًا منه لا متسع فيه لغيره فهذا حال من غلبه الخوف.
والإفراط في الخوف هو الذي يجاوز حد الاعتدال حتى يخرج إلي اليأس والقنوط وهو مذموم أيضًا لأنه يمنع من العمل.
فضيلة الخوف: ــ جمع الله للخائفين الهدي والرحمة والعلم والرضوان وهي مجامع مقامات أهل الجنات قال تعالي"هدي ورحمه للذين هم لربهم يرهبون"[الأعراف، الآية 154)
وقال تعالي"إنما يخشي الله من عباده العلماء"[فاطر، ألآية 28)
وقالي تعالي"رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه"[البينه الآية 8)
وكل ما دل علي فضله العلم دل علي فضله الخوف لان الخوف ثمرة العلم. وقال تعالي"وخافون إن كنتم مؤمنين"[آل عمران، الآية 157)