وجاء في [1] عن وهب أن عابدًا كان في بني إسرائيل وكان من أعبد أهل زمانه وكان في زمانه ثلاثة أخوه لهم أخت وكانت بكرًا فخرج البعث عليهم فلم يدروا عند من يخلفون أختهم فأجمعوا رأيهم علي أن يخلفوها عند العابد فأتوه فسالوه أن يخلفوها عنده فأبي وتعوذ بالله فلم يزالوا به حتى أطاعهم فقال أنزالوها في بيت في حذاء صومعتي فأنزلوها فمكثت في جوار ذلك العابد زمانا ينزل إليها بالطعام فيضعه عند باب الصومعة ثم يغلق بابه ويصعد ثم يأمرها فتخرج من بيتها فتأخذ ما وضع لها من الطعام وظلت علي ذلك زمان فتلطف له الشيطان فلم يزل يرغبه في الخير ويعظم له خروج الجارية حتى تأخذ الطعام ففعل فلبث علي ذلك زمانًا ثم جاءه فرغبه في الخير حتى أدخلته عليها بيتها ثم ضرب علي فخذها ولم يزل يغويه ويزين له الباطل ويتدرج معه في الغواية والضلال حتى زنا بها وحملت منه وولدت فأتاه فجعله يقتل الولد ثم جاءه متدرجا له في الضلال حتى أغراه بقتل الجارية وعاد الأخوة من الحرب وسألوا الراهب عن أختهم فقال لهم إنها ماتت ثم انصرفوا فلما جن عليهم الليل جاءهم الشيطان في المنام وقص عليهم ما حدث من الراهب وفي الصباح ذهبوا إلي المكان الذي دلهم عليه الشيطان في المنام ووجدوا ما رأوا في المنام حقا فشكوه للملك ثم قدم ليصلب فجاءه الشيطان فقال له علمت أنني صاحبك فتتنك بالمرأة حتى أحبلتها وذبحتها وابنها فإن أطعتني اليوم وكفرت بالله خلصتك مما آتت فيه فكفر العابد فلما كفر خلي الشيطان بينه وبين أصحابه فصلبوه ففيه نزل قوله تعالي: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الحشر 16]
سادسًا: الصد عن الحق:
قال تعالي ـ حكاية علي لسان الشيطان: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} [الأعراف 16] ، أي لأصدتهم عن الحق وأزين لهم الباطل حتى يهلكوا فأخذ الشيطان يبذل الغالي والرخيص من أجل صد ابن آدم عن الحق، قال ابن القيم في [2] : (السبل التي يسلكها أربعة لا غير؛ فإنه تارة يؤخذ من جهة يمينه وتارة من شماله وتارة من أمامه وتارة يرجع خلفه فأي سبيل سلكها من هذه وجد الشيطان عليها رصدًا له فإن سلكها في طاعة وجده عليها
(1) تلبيس إبليس ص 27
(2) إغاثة اللهفان