فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 269

التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسموهم بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، وتنسخ العلم عُبدت [1]

فأرسل إليهم نوحًا أول رسول للبشر، وهو أحد أولي العزم من الرسل، ودعا نوح قومه إلي عبادة الله وسلك إلي آذان قومه وقلوبهم وعقولهم بشتي الأساليب، ومتنوع الوسائل، في دأب طويل، وفي صبر جميل، وفي جهد نبيل ألف سنه إلا خمسين عامًا. وقد كان نوح مفصحًا مع هذا عن نذارته، مبينًا عن حُجته، لا يتمتم ولا يجمجم، لا يتلعثم في دعوته، ولا يدع لبسًا ولا غموضًا في صفه ما يدعو إليه، وهم لا يواجهونه إلا بإعراض واستكبار واستهزاء:"فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا فأخذهم الطوفان وهم ظالمون (العنكبوت، الآية رقم 14) وكان كلما انقرض جيل وصوا من بعدهم بعدم الإيمان به ومحاربته ومخالفته وكان الوالد إذا بلغ ولده وعقل عنه كلامه وصاه فيما بينه وبينه ألا يؤمن بنوح ما عاش، ودانمًا ما بقي."

بعد كل هذا الجهاد، وبعد كل هذا العناء، وبعد كل هذا التوجيه والتنوير والإنذار والإطماع والوعد بالمال والبنين والرخاء بعد هذا كله كان هذا العصيان، وأوحي الله إلي نبيه نوح ما قصه في كتابه

"وأوحي إلي نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون" (هود، رقم 36)

فدعا نوح علي قومه:"ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون" (الصافات رقم 75)

حتى ما تحمله أرحامهم إن قُدر لهم الخروج إلي الدنيا، لا يسوئنك فإن النصر قريب والنبأ عجب عجيب. وهنا دعا علي قومه:"وقال نوح رب لا تذر علي الأرض من الكافرين ديارًا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرًا كفارًا" (نوح 26 - 27)

وقال تعالي:"ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون * فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم"[هود، الآيات رقم 38 - 39)

قال العلامة الألوسي رحمه الله: استهزوا به لعمله السفينة وإما لأنهم ما كانوا يعرفونها ولا كيفية استعمالها، فتعجبوا من ذلك، وسخروا منه، وإما لأنه عليه السلام كان يصنعها في بريه بعيده

(1) فتح الباري (8/ 537 ) )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت