بني إسرائيل بكل وضوح فقال: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} الحشر 19، وقال: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} محمد 38، ونبيهم صلى الله عليه وسلم أعاد نفس التحذير مفصلا، فقال فيما أخرجه أبو داود عن عبد الله بن مسعود: (إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ يَا هَذَا اتَّقِ اللَّهَ وَدَعْ مَا تَصْنَعُ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنْ الْغَدِ فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ) ، ثُمَّ قَالَ: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ... } إِلَى قَوْلِهِ تعالى: {فَاسِقُونَ} ، ثُمَّ قَالَ: (كَلَّا وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيْ الظَّالِمِ وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا) ، وزاد في رواية أخرى: (أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ ثُمَّ لَيَلْعَنَنَّكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ) .
لذلك كانت مسيرة بني إسرائيل في هذا القسم من سورة البقرة مدرسة تربوية وعقدية للمسلمين يستعرضون فيها نماذج نادرة من الانحراف، وأمثولات غريبة من المكر والكيد، وأفحوصات دقيقة لنفسيات مريضة لا تأمن و لا تؤمن، لا ترتاح ولا تريح، ويتخذون منها حوافز نيرة تقيهم مزالق الهوى ومكامن الضلال ومسارب الكفر والجحود، وكأنما هم يسمعون في كل لحظة، ويقرع آذانهم في كل حين قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا} النساء 71، ولئن كانت هذه الآية الكريمة في مجال الجهاد الحربي، فإن ساحة الجهاد العقدي والاجتماعي والسياسي مدافعةً لمكر الماكرين، وفساد المفسدين، وكيد الكائدين، وتآمر المتآمرين، في أشد الحاجة أيضا إلى الحذر والاستنفار وشحذ الهمم والعزائم.