ثلاث أمم في خطاب واحد
تصريحا وتعريضا
قال الله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ 50)} سورة البقرة
للمرة الثانية في سورة البقرة يتكرر النداء لبني إسرائيل المعاصرين للبعثة النبوية تذكيرا لهم بالنعم ومنا عليهم بالتفضيل، وتحذيرا من عاقبة الكفر والجحود، وتنبيها إلى المقصود من الخطاب، وهو أن يتعظ الخلف من تجربة السلف، ويثبت من آمن على ما واثق به ربه. وقد جرت سنة القرآن الكريم أن يكرر الجمل المشتملة على ما يستوجب المزيد من العناية كما في حال ذكر النعم، أو التحذير من النقم، ليكون المعنى أتم، والكلام أشد تأثيرا وأرجى نفعا.
ولئن كان النداء الأول مجملا فإنما ذلك لتركيز انتباه المخاطبين حول الغاية من الخطاب، بأوجز لفظ وأتم تعبير، حتى إذا استيقظ العقل وانفتح القلب واسْتُجْمِع الفكرُ، كان النداء الثاني تفصيلا للنعم، قضاءً لحق المنعِم بذكر آلائه وفضله وربانيته، مما يستوجب له التحميد والتمجيد، وإقامة حجة على المنعَم عليهم وعلى من بلغه خبرهم، تستدعي الاعتبار والشكر، فقال تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} .
والنعمة التي يراد من بني إسرائيل تذكرها وشكرها تعني جنس جميع النعم والآلاء، مما فصل القرآن أصنافها وما اكتفى بالإشارة إليها، ومنها على سبيل المثال اصطفاء الرسل منهم وإنزال الكتب عليهم واستنقاذهم من عبودية فرعون، وإطعامهم المن والسلوى وتفجير عيون الماء لهم من الحجر، والتمكين لهم في الأرض، وإن كانت كل هذه النعم العامة أقل درجة من نعمة الإسلام الذي هو رأسها ومنبعها ومصدرها، ولذلك امتن به تعالى على المسلمين بقوله: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} الحجرات 17، وهذا التذكير منه تعالى للمسلمين بنعمة الإسلام نظير تذكير موسى عليه السلام لقومه بقوله: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} المائدة 20.