كلية حلال المطعم وحرامه
في اليسر والعسر
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلًا طَيِّبًا وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (169) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ (171) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (173) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176) } سورة البقرة
توحيد الخالق عز وجل سر الوجود وركن الحياة الركين، به قامت السماوات والأرض، وعلى أساسه يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلالة، وقد جعل الله له معالم في الكون لا تخفى على بصير، شمسا وقمرا ونجوما وأفلاكا وفي الأنفس، وأرسل النبوات تترى بين الناس تعلمهم حقائقه ومقتضياته، من آدم إلى صاحب الرسالة الخاتمة عليه وعلى سائر الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه.
إلا أن التوحيد ليس مجرد عقيدة في خيال المرء أو عقله أو قلبه، فلابد له من أن يستقر واقعا مرئيا وحالا ملموسا في الحياة، واقعا في تصرفات الإنسان عبادة ومعاملة وعلاقات، مأكلا ومشربا ونظام أسرة واجتماع، لذلك أنزل تعالى الشريعة مصدقة لما وقر في القلب من عقيدة التوحيد وكاشفة لما في النوايا من إخلاص العبودية وصدق الطاعة. والتوحيد والشريعة بذلك وجهان لدين واحد هو الإسلام. وهذا ما يشير إليه سياق آيات الحلقة السابقة في تمهيدها لما نحن بصدده في هذه الحلقة.
فبعد أن بين عز وجل أن مجرد التفكير السوي في الخلق إنسانا وكونا يؤدي إلى التوحيد الخالص، كما هو شأن إبراهيم عليه السلام، وأن تَلَقِّيَ النبوة بقلب سليم ينير الطريق إليه، وأن حريا بمن يعرف ربه ألا يشرك به، لأن المعرفة