الحقة تورث الولاء والمحبة والطاعة لمن بيده ملكوت السماوات والأرض، لمن يخلق ويرزق لا معقب لحكمه، أخذ في هذه الآيات الكريمة يبين أوجه ظهور توحيده تشريعا في أخص خصائص الإنسان وهو طعامه وشرابه الذي به قوام حياته، فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلًا طَيِّبًا} وأباح لهم بذلك على سبيل الامتنان ما في الأرض حلالا خالصا، طاهرا طيبا في نفسه وفي مفعوله، مستلذا غير مستكره المذاق ولا ضار، ولم يقيد هذه الإباحة المطلقة في المطعومات إلا بشرطين: أن تكون حلالا لا شبهة حرام فيها، وأن تكون طيبة الكسب مستساغة غير ضارة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} المؤمنون 51، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} البقرة 172، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟) .
وهذا الحلال الطيب في المطعم والمشرب ليس إلا تفريعا من تسخيره عز وجل ما في الأر ض جميعا للإنسان بقوله: {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الجاثية 12/ 13، لذلك كان الأصل أن ما في الأرض مسخر للإنسان بما وضع له الشرع من ضوابط، على تفصيل في الإباحة والحظر {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} البقرة 29، وإنما تثبت الحُرْمة بعارضِ نصٍّ من قرآن أو سنة، وما لم يوجد النص كانت الإباحة قائمة، كما في المطعومات وهي على أصل الإباحة إلا ما ورد فيه التحريم، ولا يستثنى من قاعدة أصل الإباحة هذه إلا ثلاثة مواطن الأصل فيها الحظر إلا ما أباحه النص، وهي:
ما يمس بضرورة حفظ النوع والنسل والأعراض والأصل فيه الحُرمة؛ كما في الإضرار بالغير والضرر يزال لأنه حرام أصلا.
وفي الفروج وهي لا تحل إلا بعقد شرعي صحيح، فلا تستباح بالشبهات أو بالضرورة.
وفي الدماء وهي معصومة ولو للضرورة، فلا تستباح بالظن أو المصلحة المرسلة، ولا تهدر إلا في الحدود التي يثبت موجبها خاليا من الشبهة.
ويبقى التسخير قائما فيما ينفع الناس ولا يضرهم، وهو مجال واسع للبحث العلمي، تفكيرا وتحليلا وتركيبا وتجربة وفحصا لجميع الكائنات، مادية أو حيوية، مباحة أو محرمة أو مسكوتا عنها، بغية اكتشاف أوجه تسخيرها لما خلقت له، فيما لا يتعارض مع الشرع.
لذلك قيد الله تعالى الإباحة في قوله {كُلُوا} بوجوب الإعراض عن طاعة الشيطان وأعماله وعدم السير في طريقه أو اتباع خطواته فقال: {وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} ، وهو نظير قوله تعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ