فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 523

عندما تدرك المرءَ رحمةُ الله المهداة، فيفتح قلبه لأم القرآن، ويُقْبِل عليها بتدبر وخشوع وإمعان، تُقبلُ عليه كما هي من رب العزة، ثنائيةً بالعطاء والأخذ، أوَّلُها منه لربه، وآخرُها له من الواحد الأحد، منه الحمد والثناء والتمجيد لربه ومنها الهداية إلى سعادة الدنيا والآخرة، وبين هذا وذاك إبحارٌ في رياض ملكوت السماوات والأرض، ومشاهدةُ ما أعد للمؤمن من جناتٍ ونعيم، وقربٍ من الرحمن الرحيم، وما ينتظر ضُلَّالَ القوم من مُساءلةٍ يومَ الدين يوم يُعرضون على النار خاسئين.

يستهِلُّ المرءُ إبحارَه في الفاتحة استعاذةً بربه من الشيطان الرجيم، واستعدادا للذكر الحكيم، وتحصُّنا من شياطين الجن والإنس، واستبعادا لشرور الوسوسة وما يُلْقَى في النفس من هواجس الفتن وشوارد الفكر وشواغل الدنيا، وهو في التجائه إلى ربه واستجارتِه به واحترازِه بقوته وقدرته، مُقِرٌّ ضمنًا بالعجز عن جلب المنفعة ودفع المضرة، معترفٌ بانعدام الحَوْلِ لديه والقوة، موقنٌ بأن ذلك كلَّه متعلق بقدرة الله تعالى ولطفه بأوليائه، ورحمانيته الشاملة لعباده. منطلقٌ في جميع أحواله من معرفته بنفسه العاجزة، ومعرفته بربه القادر الحكيم؛ هنالك يقتحم عقبةَ التسليم المطلق فيَلِج رحابَ الخشوع العَصِيِّ إلا على الموقنين، ويسرح في رحاب الإخبات، وينيخ الفؤاد في رياض الآيات النيرات.

ولئن كانت طهارة الصلاة الوضوء، فإن طهارة النفوس والعقول والأفئدة للتلاوة هي الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، ولذلك قال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} النحل 98.

ولئن كانت الألْسُن قد تقع في اللغو أو الكذب أو الغيبة أو النميمة فإن الاستعاذة بالله من الشيطان الذي يَسْتَدْرج المرءَ إلى تلك الآثام كفيلةٌ بتطهير الألسن وإعدادها لتلاوة كتاب الله، بقلب غير غافل ولَا لَاهٍ.

وبَعْد روعةِ استهلالِ الإبحارِ في رياض الفاتحة، يكون اسمُ الله خيرَ مَعْبَرٍ إلى رحمته ورحمانيته، وكأن الفاتحةَ سفينةُ نوح عليه السلام، يَفِرُّ بها المؤمن من موبِقات الفتنِ ولجََُجِ الضَّلال وعاتِيِّ الموج {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} هود 41.

إن أولَ آية من الفاتحة وهي البسملةُ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، مشكاةٌ تنير الدروب، وبلْسَمٌ لشفاء القلوب، وأمانٌ من رب العزة لعبده الأواب، وكما كان عاقبة نوح إذ ركب سفينته بسم الله أن خوطب بقوله تعالى: {يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} هود 48، كذلك عاقبة المؤمن المخبت إذ يفتتح بالبسملة والحمد والثناء على رب العزة، فيفوز بالهداية والسلام، وغنيمة ما سأل من رب الأنام إذ قال:"ولعبدي ما سأل".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت