فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 523

وكما أن القصر ببابه والروضَ بأقحوانه، كذلك البسملة، تقبل على المؤمن بالبشارة والإنارة فينفسح القلب ويتسع الأمل وتعظُم الثقة بكرم البارئ عز وجل، ويهيج شوق الأفئدة إلى رحاب الرضا وحسن المآب، ذلك أن رب العزة يتجلى بثلاثة أسماء له، كلها جلال وقدرة ورحمة ولطف"الله، الرحمن، الرحيم".

فاسم الله تعالى هو الإسم الأعظم على قول جمهرة من أهل العلم، تلحق به أسماؤه الأخرى ولا يشاركه فيه غيره، تحِنُّ إليه الأفئدة، وتشتاق إلى رؤيته المُهَج، وتأنَس بذكره النفوس، وتحتار فيه العقول فلا تدرك له إلا ما بين لها الوحي كتابا وسنة، منه سبحانه لعباده الألوهيةُ المطلقة العامَّة التامة، ومن عباده له الخضوع والطاعة والاستسلام.

أما اسم الرحمن فمن رحمته التي وسعت كلَّ شيء، {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} الأعراف 156، لذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحث صحابته على حسنِ الثقة بالله والرجاءِ فيما عنده عز وجل، والتعلقِ برحمته وحده، فعن واثلة بن الأسقع، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله تبارك وتعالى: أنا عند ظن عبدي بي، فلْيَظُنَّ بي ما شاء) ، وعن جابر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بثلاث: (لا يموتُنَّ أحدُكم إلا وهو يحسن بالله الظنَّ) ، وقال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} البقرة 186.

ولئن كان اسم الرحمن من الرحمة العامة بجميع الخلق كاسم الله خاصا به عز وجل لا يسمى به غيره، فإن اسم الرحيم من الرحمة الخاصة بالمؤمنين، وقد يطلق على غير الله بما لا يخل بالعقيدة، قال الله تعالى عن نفسه: {إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} البقرة 143، وقال عن نبيه صلى الله عليه وسلم: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} التوبة 128.

ولقد كان من شامل رحمته تعالى ولطفه بعباده أن افتتح أمَّ القرآن باسمه الأعظم"الله"المتضمن لصفات الألوهية، وهي توحيد الله بأفعال العباد التي أمروا بها، دعاء وخوفا وخشية، وتوكلا واستعانةً واستعاذةً، ورجاءً وتعلقا وأملا، ومحبةً ورغبةً ورهبةً وتعظيما؛ وقرنه باسمين له متضمنين لكمال صفات البر والإحسان والجود والكرم وهما"الرحمن الرحيم"، فكانت الرحمة بذلك سببا واصلا بين المعبود الحق والعابد الصادق المتحقق.

وحَرِيٌّ بالمؤمن إذ تجلَّتْ في قلبه معاني الألوهية المطلقة برحمتها التي وسعت كل شيء، أن يحمد هذا الفضلَ الإلهيَّ الذي لا حدَّ له، وأن يشكر هذه النعمةَ الربانية التي لا تحصى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت