ولئن كان العبد عاجزا عن أداء واجب الحمد والشكر، لعجزه عن إحصاء النعم وتقدير الفضل، فقد تولى رب العزة إرشادَه والأخذَ بيده الرحيمة إلى التعبير السليم والأداء القويم وهو:"الحمد لله"، فكان الفضلُ منه عز جل في كل الأحوال، فضلُ النعم وفضلُ الحمد عليها، فضلُ الرحمة المطلقة وفضلُ استدامتها بالحمد عليها.
إن الحمد لله مجردا مطلقا ومرسلا هو وحده عبادةٌ في كل أحوال المؤمن، في سرائه التي استشعرها، وفي ضرائه التي تسْتُرُ نعمةً إلهيةً غيَّبَتْها عن ذهنِه حكمةُ الله تعالى، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في السراء:"الحمد لله المنعم المتفضل"ويقول في الضراء:"الحمد لله على كل حال"، وهو ما ورد في قوله تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} النمل 59، وقوله: {الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} النحل 75.
وإن الحمدَ مقيَّدا بصفات الله تعالى تنزيها وفعلا معلمةٌ من معالم الإيمان، تحث المؤمنَ على صعود مَراقي القُرْب والإحسان، لذلك يأمر به الله عز وجل عباده تربيةً وتحليةً وتزكيةً، مرتبطا بمعنى إيمانِيٍّ ينير الطريق، فيَرِدُ حسب السياق القرآني تارة بلفظ: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} الإسراء 111، وتارة بلفظ: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ} الأعراف 43، وتارة بلفظ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} الكهف 1، {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فاطر 1، {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} سبأ 1.
كلما ورد الحمد مطلقا كان التنبيه إلى نِعَم الله التي لا تحصى مما يعلمها المرءُ، ومما استأثر ربُّ العزة بعلمها، وكلما ورد الحمد مقيدا كان التعليم المباشر للعبد، أخذا بيده عَبْرَ معالمِ التوحيد الخالص إلى معرفة ربه.
ولما تجلت سورةُ الفاتحة على المؤمن بصفات الألوهية التي تقتضي الحمدَ المطلق، كان من المناسب وإتمامِ النعمة أن تتجلى تبعًا بصفة الربوبية المطلقة {رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، وهي توحيد الله تعالى بأفعاله خلقا ورزقا وتدبيرا للأمور وإحياء وإماتة ونحو ذلك. فلا خالق إلا الله {ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} الأنعام 102، ولا رازق إلا الله {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} هود 6،ولا مدبِّر إلا الله {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} السجدة 5، ولا محيي ولا مميت إلا الله {هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يونس 56. ولذلك كان التفكرُ في تدبير الله تعالى للكائنات خَلْقا ورعايةً مفتاحَ استشعارِ ربوبيتِه عز وجل