قال الله تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) } البقرة
في هذه الآيات الكريمة يتوالى عرض مفصلات شروط الوفاء بالوعد الذي خوطب به بنو إسرائيل، ومن خلالهم خوطب المؤمنون في كل عصر. وبعد أن بين الله تعالى رأس الأمر في هذه الشروط وهو الإيمان بالقرآن العظيم وبنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: {وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ ... الآية} البقرة 41، انتقل إلى التحذير من رأس الانحراف عن الدين وهو التلبيس، فقال: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} . فكانت الآيتان معا جُمَّاعا للإيمان المحصَّنِ من الكفر والنفاق، إذ في الإيمان بالقرآن والرسول صلى الله عليه وسلم تمام الوفاء علما وعملا، وفي اتقاء التلبيس تمامُ الحصانة ضد الانحراف عن الصراط المستقيم. ومن جمع بين الآيتين استكمل معالم التقوى.
إن التلبيس لغة معناه التخليط والتدليس والتمويه، مِن فِعل لَبَسَ عليه الأمرَ يَلْبِسُهُ، من باب ضرب، أي: خَلَطَهُ، وألْبَسَهُ: غَطَّاهُ، وأمرٌ مُلْبِسٌ و مُلْتَبِسٌ: مُشْتَبِهٌ، يقال: في رأيه أو علمه أو تصوره لَبْسٌ، أي: اخْتِلاَطٌ، والْتَبَسَ عليه الأَمرُ أَي اختلَطَ واشْتَبَه، والتَّلبيسُ كالتَّدْليس والتَّخليط، شُدِّد للمبالغة، وفلان يُلَبِّس على نفسه أو غيره أي يموِّه ويدلِّس، وفي الأمر لُبْسَةٌ بالضم أي شبهة يعني ليس بواضح، قال تعالى: {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} الأنعام 9، أي لالتبس عليهم الأمر كما يَلْبِسون على أنفسهم في قبول الدين.
لقد كان التلبيس رأس كل فساد في مسيرة البشر منذ خلق أبوهم في الملأ الأعلى، لُبِّسَ على الشيطان أولا أمرُه، فأعرض عن السجود مغترا بأصله الناري ومفاضلا به: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} ص 76، غافلا عن مقياس التقوى الذي هو المقبول في التعامل مع رب العزة {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّه أتْقاكُمْ} الحجرات 13، ثم أدى به هذا التلبيس إلى جريمة أخرى أكبر هي الاستعلاء والاستكبار: {قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} الحجر 33، ثم تورط في الحسد والمحاربة: {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} الإسراء 61/ 62 وبذلك أهان نفسه من حيث أراد