فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 523

خلافة الإنسان في الأرض

بين الحقيقة القرآنية وبين غبش التصور

قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} سورة البقرة 30.

يواصل القرآن الكريم مخاطبةَ طوائف الكفار، ممن علم الله فيهم خيرا يستدرجهم إلى الإيمان، وممن طبع على قلوبهم يقيم عليهم الحجة، بنوع من الاستفهام الاستنكاري لعَمَايَتِهم عن الحق، وضلالهم عن الهدى وقد تبينت لهم سُبُلُه، يدعوهم إلى التفكر فيما ذرأ البارئ عز وجل من أنفسهم وما أمات من أقوامهم، وما خلق في السموات والأرض، مما هو مشاهد لهم ودالٌّ على ربوبيته وألوهيته واستحقاقه العبادة وحده لا شريك له، وقبل ذلك بَيَّنَ عجزهم عن مماثلة سورة واحدة من سور القرآن، وهو دليل على صدق الرسالة التي ينكرونها، وصدقية المُرْسَل بها الذي يناصبونه العداء.

وإذ ثبت كل هذا للعقلاء غير المكابرين، وتبين لهم مبدأ حياتهم ومنتهى مماتهم وبعثهم ونشورهم وما خلق لهم من السماء والأرض ذَكَّرَهم بمبدأ خلق الإنسان وما تفضل به تعالى على أبيهم آدم إذ كرمه بإسجاد الملائكة له، في إشارة واضحة إلى أن تكريم الأصل تكريم أيضا لمن استقام من الذرية والنسل، في مشهد حي من مشاهد الغيب فقال: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} .

من خلال هذا التذكير يخاطب رب العزة بني آدم في كل زمان ومكان، ينقل إليهم قصة خلقهم الأول من خلال محفل رهيب يحضره الملأ الأعلى وتتجلى فيه معالم الإيمان تختزل عالمي الغيب والشهود والعمل والجزاء والذنب والعقوبة، في لحظات حوار بين رب العزة تعالى وبين ملائكته الكرام من جهة، وبينه وبين زعيم شياطين الجن من جهة أخرى، وبينه وبين بني آدم عبر الحقب والقرون من خلال أبيهم وأمهم من جهة ثالثة، فتتجلى من خلال هذا الحوار ثلاث طوائف: طائفة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وطائفة شياطين وأبالسة متمردين حلت بهم لعنة أبدية، وطائفة منهم الصالحون ومنهم دون ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت