فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 523

لقد اقتضت حكمة العلي القدير أن يخلق في الأرض لعمارتها والابتلاء بخيرها وشرها، خليفة هو آدم عليه السلام، وأجيال ذريته الذين يخلفونه إلى يوم القيامة، وأن يخبر بذلك ملائكته المقربين، وحين خاطبهم الرب الكريم بذلك {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} ، كان ردهم {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} ، فنبههم رب العزة إلى قصور علمهم ومحدوديته، مقارنة بعلمه المطلق {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} .

لقد أخبر رب العزة ملائكته، ليكونوا على بينة من الخلق الجديد في الأرض، لأنهم سيوكلون بتنفيذ أوامر الله تعالى فيه ومعه، إذ سيكون فيهم من يشهد على الأعمال، ومن يبلغ إليه الرسالات، ومن يتوفى الآجال، ومن يقمع أهل البغي والضلال ...

ولئن كان من صفة الملائكة أنهم لا يسبقون ربهم بالقول ولا يسألونه شيئا لم يأذن لهم فيه، ويفعلون ما يؤمرون، {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} الأنبياء 27، فإن جوابهم لم يكن كما قد يتوهمه البعض اعتراضا على إرادة الله تعالى، أو انفعالا بغيرة أو حسد للمرتبة التي أُحِلَّها الخلق الجديد، وهم منزهون عن مثل هذه المشاعر البشرية، وإنما كان سؤال استعلام واستكشاف عن حكمة إيجاده، وقد سبق لهم العلم من ربهم تعالى بأن من ذريته من يذنب ويفسد ويسفك الدماء.

لقد كان علمهم محصورا فيما علمهم الله تعالى كما اعتذروا به لربهم بقولهم: {قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} ، وهو معرفتهم حكمة خلق أمثالهم من الذين لا يعصون ربهم ويسبحونه ويقدسونه {لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} الأنبياء 19/ 20، وخفيت عنهم حكمة إيجاد خَلْقٍ جديد فيه من يفسد ويسفك ويذنب ويتمرد، لذلك نبههم رب العزة إلى حقيقة إيمانية مجملة تنتظم استفهامهم وتعجبهم وتكف استعجالية تطلعهم إلى حكمة ما جرى ويجرى حولهم، فقال لهم: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}

لم يرد في سبب نزول هذه الآيات شيء، ولم يرو في تفسيرها أثر صحيح مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وليس لشرحها إلا سياقها ولغتها، أما مناسبتها لما قبلها فخطاب الاستفهام الاستنكاري الموجه للمعرضين تذكيرا لهم بأسرار خلق الحياة والممات، وتسخير الأرض والسماوات، متبوعا بخبر بدء الخلق وتشريف الأب الأول وإسكانه الجنة وإسجاد الملائكة له، وطرد إبليس من رحمة الله إذ رفض السجود استعلاء واستكبارا، تمهيدا لإيراد قصة بني إسرائيل نموذجا واضح المعالم لتكريم رباني قوبل بالتمرد والاستعلاء والمماحكة والشيطنة الغبية الجاهلة. وهي صورة أخرى من صور استعلاء الشيطان الأول واستكباره وتمرده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت