فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 523

لقد اقتضت الحكمة الربانية أن يتخذ الله تعالى خليفة في الأرض، وذكر ذلك في سياقات كثيرة من القرآن الكريم، بما يفسر معنى الخلافة البشرية بمفهومها العقدي والعملي، ويعصم من أي غبش في التصور والفهم فقال عز وجل:

{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ} الأنعام 165.

{هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْض} فاطر 39.

{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} الأعراف 169.

{وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ} الزخرف 60.

{وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} الأعراف 69.

ولئن ورد في القرآن الكريم لفظ"خليفة"بصيغ مختلفة وفي سياقات كثيرة، فإن المعنى اللغوي الأصل ينتظمها في اتجاه واحد، وقد ذكر ابن فارس في معجمه أن الخاء واللام والفاء أصول ثلاثة، أحدها أن يجيء شيء بعد شيء يقوم مقامه، ومنه قولهم هو خلف صدق من أبيه، وهؤلاء خلف سوء من قومهم، ومنه أيضا لفظ"خليفة"للذي يخلف من قبله، زيدت فيه تاء التأنيث فيجمع على خلائف مثل كريمة كرائم، ويجمع على خلفاء حتى لا يقع إلا على مذكر مثل ظريف وظرفاء. والأصل الثاني خلاف"قدام"فيقال: هذا خلفي وهذا قدامي، والأصل الثالث التغير، فيقال: خَلَفَ فوه إذا تغيرت رائحته، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) . وهذه المعاني كلها تنتظم طبيعة الإنسان، لكون الأجيال منه يخلف بعضهم بعضا بالتناسل والوفاة المتعاقبين، ولقابليتهم التغير سلبا وإيجابا خيرا وشرا إيمانا وكفرا، عافية وسقما، موتا وتحللا في التراب.

ولئن كان تراكم الثقافات الوافدة على المجتمع الإسلامي قد أضفى على لفظ"خليفة"ظلالا ومعاني جديدة لا يحملها الأصل اللغوي أو يتحملها، فينبغي أن لا يغيب عنا أن هذه الآية الكريمة {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} تتحدث عن غيب لا سبيل لمعرفته إلا بالوحي قرآنا وسنة صحيحة، وعن مجال عقدي لا يستشهد فيه إلا بما بلغه المعصوم عن ربه وتواتر نقلا عنه، إلا أن هذا المنهج في تفسير كتاب الله لم يلتزم لدى بعض المفسرين، الذين لجأوا عند الشرح إلى الاستشهاد بالإسرائيليات وقد نُهِينا عنها] [1] [، وإلى الأقوال المنسوبة بغير سند صحيح إلى بعض

(1) - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقال عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنّا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا، أفترى أن نكتب بعضها؟"فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أمتهوّكون أنتم كما تهوّكت اليهود والنصارى؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حيّا ما وسعه إلا اتباعي" (مُتَهَوِّكون أي: متحيرون في دينكم)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت