أمة يهودية نقضت عهدها
وأمة مسلمة على الطريق
قال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (86) } /البقرة
عهد واحد أخذه الله تعالى على جميع الأمم الخالية، وإنما يعرض علينا في القرآن الكريم مواقفها من عهودها وفاء أو خيانة، للتذكير والتحذير والعظة والاعتبار واستلهام الرشد، فنثبت على الحق ونوفي بما في ذمتنا من عهود، ولا نجحد كما جحدوا فنهلك كما هلكوا.
ولئن توالى فيما سبق من سورة البقرة تذكير بني إسرائيل المعاصرين للبعثة النبوية تلميحا موجزا أو تصريحا مجملا بمثالب تصرفات آبائهم وهم يتلقون الوحي من أنبيائهم عليهم السلام، ترغيبا وترهيبا فيما يشبه العتاب واللوم والاستدراج للخير وصدق الإيمان والالتزام، فإن الوحي في هذه الآيات الكريمة يتخذ منحى جديدا، تفصيلا للتكاليف والواجبات المهدرة، وكشفا لخطورة المخالفات المرتكبة، وشدة العقوبات المقدرة، المبنية على حيثيات لا يرقى إليها الخلل بأسلوب توبيخي قوي شديد، ينم عن بلوغهم غاية التمرد والعصيان، واستحقاقهم ما قرره العدل الإلهي في حقهم {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} آل عمران 117.
لقد عاملهم الله تعالى بكرمه وعفوه على مدى لا يعلمه إلا هو، لكنهم اشتطوا في الاستهانة وأوغلوا في التطاول، ولئن لجوا من لؤمهم في عتو ونفور، فإن الكريم عز وجل إذا استُهين بتعاليمه واستُهزِئ برسله ورسالته غضب، وإذا غضب أخذ، وإذا أخذ فلا حد لسطوته، ولا راد لما أعد للمغضوب عليهم من الخزي والعذاب وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا