فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 523

بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ الملك 6/ 8.

ينهال التقريع على بني إسرائيل في هذه الآيات مرعدا متوعدا، وينصب فوق رؤوسهم حمما وصواعق ترميهم بالشرر، لنكثهم عهد الله تعالى، ونقضهم ميثاقه الغليظ، وما أُخِذ عليهم بشهادة نبيين كريمين، والطورُ يكاد يطحنهم من فوق رؤوسهم، وبعد أن ارتكبوا ما لم ترتكبه الأمم قبلهم، فأنعم الله عليهم بعفو قوبل بكفران، ومغفرة أعقبها إصرار، وتوبة تبعها تَرَدٍّ وانحدار.

وكما هو شأن الخطاب الحازم الحاسم من علِيٍّ مقتدر، لسافلٍ وقح متلاعب، يبدأ أولا بذكر أم التكاليف ورأس المخالفات، لتتوالى بعد ذلك الأوامر الفرعية المستهان بها، وما أعقبها من عصيان وإنكار، وما تلاها من توعد ووعيد وتقريع وتوبيخ، تبيانا لقاعدة العدل الإلهي التي سبق ذكرها بقوله تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون} ، إشارة إلى أن بني إسرائيل قد أحاطت بهم سيئاتهم، لما أجملته حيثيات الحكم عليهم بالبوار والخسران في هذه الآيات الكريمة، فقال تعالى متوعدا عصاة السابقين، مذكرا من سار على نهجهم من اللاحقين: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} .

لقد ورد التذكير بالميثاق الذي واثق الله تعالى به عباده في سياقات كثيرة من الكتاب والسنة، لا تخرج عن معنى واحد هو العهد المحكم الموثق الذي لا بد له من وفاء. قال تعالى:

{وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} الأحزاب 7.

{وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} الحديد 8.

{وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} المائدة 7.

{وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا} الإسراء 34.

والأصل اللغوي لهذا اللفظ من فعل"وَثِق به"يَثِق كوَرِث يرِثُ ثِقَةً ومَوْثِقًا ووِثاقَة كوِراثَة وُثُوقًا: أي ائْتَمَنَه وسَكَن إليه واعتمد عليه، والوَثيقُ: الشيءُ المُحْكَم. والميثاقُ والمَوْثِقُ كمَجْلِس: العَقْد المُؤَكَّد بيمين، ومنه قوله تعالَى: {وإذْ أخذَ اللهُ ميثاقَ النّبيّين} ، وقوله: {حتّى تؤْتونِ مَوْثِقًا منَ الله} أي: ميثاقًا ج: مَواثيقُ ومَياثِيقُ، والمُواثقة المعاهدة، وأوثقته: شددته، والوثاق قيد يشد به الأسير أو الدابة، قال تعالى: {فشُدُّوا الوَثاق} .

إن الميثاق آصرة متينة عليها بني التكليف، ومن أجلها أنزل الإنسان واستخلف في الأرض، وعلى أساسها يكون الجزاء يوم العرض، ولقد أُخِذَ علينا ونحن في ظهور أبينا آدم هذا الميثاق فأقررناه والتزمنا مقتضاه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت