مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ الأعراف 172، وتتابع التذكير به واستنهاض الهمم للوفاء به بواسطة الأنبياء والمرسلين.
إنه لخطورة شأنه يستوعب جميع تكاليف الدنيا بلاء واختبارا، وينتظم كل جزاءات الآخرة جنة ونارا، لأنه وصية الله للبشرية وصفقة المبايعة بينه وبينها {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} البقرة 40، ومحتوى الأمانة التي حملها الإنسان بمحض اختياره ولا سبيل للتحرر من تبعاتها إلا بالوفاء {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} الأحزاب 72. ولقد جعله الله تعالى مقياس العدل المطلق يوم الحساب، وما الرضا منه تعالى إلا للمتمسكين به العاملين بنصوصه وأحكامه {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلا ينقُضُونَ الْمِيثَاقَ} الرعد 20. وما النقمة والجحيم والعذاب المقيم إلا للذين يتولون عنه ويعرضون.
إن الميثاق مع الله تعالى إذا عقد لزمت صيانته ورعايته، وتنفيذ مقتضياته كاملة، والوفاء بشروطه غير منقوصة، وإكمال ما فرضه تاما غير مبتور، لذلك اقترن ورود لفظ الميثاق وما يفيد معناه عهدا وعقدا، في أغلب سياقات القرآن الكريم بلفظ آخر يفيد الإتمام والإكمال هو لفظ"الوفاء"، قال تعالى:
• {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ} الرعد 20.
• {وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} الأنعام 152.
• {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} الإسراء 34.
• {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُود} المائدة 1.
• {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} البقرة 40.
ذلك أن الحروف التي ركب منها لفظ الوفاء (الواو والفاء وحرف العلة) تدل مجتمعة على معنى الإكمال والإتمام، يقال: وفى بعهده يفي وفاء، وأوفى: إذا تمم العهد ولم ينقض حفظه. وأوفيتك أو وفيتك الشيء إذا قضيته وافيا، كما في قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} آل عمران 57، وتوفيت الشيء واستوفيته إذا أخذته كله، ومنه يقال للميت: توفاه الله، وأوفى الكيل إذا أتمه، وكل شيء بلغ تمام الكمال فقد وفى، والوافي الذي بلغ التمام. ومنه قوله تعالى {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} الزمر 10، إشارة منه عز وجل إلى الصبر الذي هو أشد تكاليف الميثاق وصفقة المبايعة لربهم شراء ناجزا بشراء ناجز {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} التوبة 111،