فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 523

إلا أن النفوس البشرية ليست كلها مؤهلة للوفاء لله تعالى أو لخلقه، إذ لابد من توفر خصال وسجايا تمهد الأرضية الصلبة التي تتحمل تكاليف الميثاق وأثقاله، ولئن كان مجرد الوعد بالتحمل والوفاء قد تسخو به النفس، إذ لا مشقة في ذلك ما دامت المؤونة خفيفة، فإنه حين يجد الجد وتُبتلى العزائم، وتتخطف المرءَ ضروبُ البلاء والفتن، وتتزين شهوات الأمن والركون للسلامة، تظهر معادن الرجال وتبلو كل نفس قدرتها ومدى صدقها وثباتها. ذلك أن الوفاء مركب من خصال بدونها تُنْقَض المواثيق، ويُتَنَكَّر للرفيق والصديق، خصالٍ قوامها صدق في النية والقول والعمل، وشهامةٌ لا ترضى ذلة التولي وخسة النكول، وعدل يقي المرء خزي الظلم والعدوان. وفهم ثاقب لمآلات الحياة، فيتجلد المرء لما يتوقعه من عاقبة الوفاء في الدنيا، بالشوق إلى ثماره في الآخرة.

من أجل ذلك وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على مصعب بن عمير وقد سقط على وجهه يوم أحد شهيدًا وكان صاحب لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه السلام قوله تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} الأحزاب 23. كما روي عن أنس أن عمه أنس بن النضر لم يشهد بدرًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشق ذلك على قلبه وقال: أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه، أما والله لئن أراني الله مشهدًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لَيَرَيَنَّ اللهُ ما أصنع!، قال: فشهد أحدًا في العام القابل فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو إلى أين؟ فقال: واها لريح الجنة! إني أجد ريحها دون أحد. فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون ما بين رمية وضربة وطعنة، فقالت أخته بنت النضر: ما عرفت أخي إلا بثيابه، فنزلت هذه الآية {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ}

بمثل هذه النفوس القوية الصادقة الوثابة السخية، الواعية المتأهبة لمشاق المسير، وحلاوة ثمار الصبر والمصير، قامت الأمة الشاهدة، وفاءً من رسولها صلى الله عليه وسلم وصحابته الأبرار، وطائفتهم المنصورة على تعاقب الليل والنهار، كما قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم والبخاري: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ) . وإذ خلت نفوس بني إسرائيل من هذه الصفات انحل ما عقدوا وانفك ما أبرموا وخاب ما أملوا، وأُقْصُوا من إمامة البشرية التي لم يصبروا لتكاليفها وجبنت أنفسهم عن أداء ضريبتها {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} البقرة 90.

ولئن كان لكل ميثاق مضمون لازم هو مبناه، ومقتضى هو الوفاء به، فإن مضمون ميثاق الله هو العبادة الخالصة له وحده لا شريك له، العبادة جوهر وموضوع، والوفاء تحمل ونتيجة، وهو ما أوجزه قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت