فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 523

لقد بدأت هذه الآية الكريمة بالركن الركين من الميثاق وهو العبادة، لأنها تشمل كل نشاط للإنسان، نوايا وأعمالا وعلاقات وأهدافا، ثم ثنت بأهم ما تشتمل عليه العبادة تفصيلا وتبيانا وتوضيحا، على أرضية واقع الحياة والمجتمع، بأسلوب تربوي دقيق يبدأ بتقرير الكلي لينتهي إلى التطبيق على الجزئي بتفاصيله ومتماثله ومتعارضه.

إن العبادة بصفتها كلية الكليات في الميثاق معناها غاية الطاعة والتذلل المقرونين بالرضا بما يفعل الرب تعالى، عرفها ابن تيمية رحمه الله بأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، وهي لغةً من فعل: عَبَدَ يعبُد عِبادةً، وتعبَّد يتعبّد تعبّدًا. والمتعبِّد هو المتفرِّد بالعبادة، ولا يقال إلاّ لمن يعبُد اللهَ تعالى. وهي ضربان عبادة تسخير بالفطرة كما قال تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} الإسراء 44، وعبادة بالتكليف امتثالا من العبد واختيارا وقربى، قال تعالى:

- {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} الأنبياء 25

- {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} النحل 36.

- {إنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ} الزمر 2

- {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ} الزمر 11.

- {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي} الزمر 14.

- {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا َوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} الأنعام 160 - 163.

وفي كل الأحوال للعبادة شقان متكاملان لا يقوم أحدهما إلا بقيام الثاني، وهما التوحيد الاعتقادي والتوحيد العملي.

التوحيد الاعتقادي هو إفراد الله عز وجل وحده بالعبادة لا شريك له، وأركانه ثلاثة:

1 -توحيد الربوبية أي الإقرار بأن لا رب لجميع الخلق إلا الله تعالى، وأنه سبحانه الخالق الرازق المالك المدبر المحيي المميت، وحده لا شريك له ..

2 -توحيد الألوهية، أي إفراد الله عز وجل بجميع أنواع العبادة التي أمر بها، دعاء وخوفا ورجاء وتوكلا ورهبة ورغبة وخشوعا وخشية، وإنابة واستعانة واستغاثة ونسكا ونذرا.

3 -توحيد الأسماء والصفات، وهو الإيمان بأن الله تعالى ليس كمثله شيء، وأنه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه صلى الله عليه وسلم، وطريق معرفة ذلك الوحي قرآنا وسنة ثابتة.

أما التوحيد العملى فهو كل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة كالصلاة والزكاة وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود وشكر النعم والرضاء بالقضاء والقدر، وهو العبادة التي أوجزها قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي} الذاريات 56، وقوله: وَاعْبُدُوا اللَّهَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت