وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا النساء 36.
لقد ابتدأت الآية الكريمة {لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} بأعلى الحقوق وأعظمها وهو حق الله تعالى عليهم، وحقه على بني إسرائيل أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وكل عهد أخذ عليهم وعلى الأمم قبلهم بالتوحيد والعبادة يؤخذ مثله على الأمة المحمدية، وهذه حكمة ذكر قصصهم لنا وسرد مساوئهم علينا، لنحذر الوقوع فيما وقعوا فيه، فينالنا ما نالهم.
ثم ثنت ببيان حقوق الناس فبدأت بأحقهم بالإِحسان وهما الوالدان لما لهما من فضل الولادة والعطف والتربية قال تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} ، وقال: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} لقمان 14/ 15، وقال: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} 23/ 24. وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (الوالد أوسط أبواب الجنة فإن شئت فأَضِعْ ذلك البابَ أو احفظه) ، وسأله رجل: من أولى الناس بحسن الصحبة مني؟ قال: (أمك) مرتين، قال: ثم من؟ قال: (أبوك) .
والإحسان إلى الوالدين هو رعايتهما والإنفاق عليهما وتلبية حاجاتهما وعدم الإساءة إليهما بالقول والعمل والإشارة والتعريض، والدعاء لهما حيين وميتين، ودعوتهما إلى الإيمان والعمل الصالح بالرفق والتؤدة إن كانا فاسقين، ومعاشرتهما بالمعروف إن كانا كافرين.
أما ذوو القربى في قوله تعالى {وَذِي الْقُرْبَى} فهم القرابة من الأب والأم أصولا وفروعا، والأصهار من جهة الذكور والإناث، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا} الفرقان 54، وعن عبد الملك بن ميسرة قال: (سَمِعْتُ طَاوُسًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ {إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَجِلْتَ، إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَةٌ، فَقَالَ: إِلَّا أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ الْقَرَابَةِ) ، وعن عمرو بن عبسة قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول ما بعث وهو بمكة وهو حينئذ مستخف، فقلت: ما أنت؟ قال: أنا نبي، قلت: وما النبي؟ قال: رسول الله، قلت: بما أرسلك؟ قال: بأن يعبد الله وتكسر الأوثان وتوصل الأرحام بالبر والصلة) .
والإحسان إلى ذوي القربى يكون بوصلهم وعدم قطيعتهم، وإعانة محتاجهم وعيادة مريضهم والفرح لفرحهم والحزن لحزنهم، والمسارعة إلى قضاء حوائجهم وتفريج كربهم، ودعوتهم إلى مكارم الدين والأخلاق بالحسنى.