ثم يأتي بعد ذلك أو معه حق اليتامى والمساكين والفقراء والمستضعفين في الإحسان والبر والرعاية والإرشاد {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ} .
ثم حق الناس كلهم في القول الحسن والمعاملة الحسنة {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} ، إذ القول الحسن ثمرة للمعاملة الحسنة، وإلا كان القول نفاقا ورياء، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} الصف 2.
بهذه التوجيهات الربانية يعم إحسان المؤمن جميع مناشط حياته، على دوائر تتسع باتساع التكاليف الشرعية التي تضمنها الميثاق:
-دائرة العبادة لله وحده لا شريك له، وهو ما قرره رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: (الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك) .
-ودائرة الوالدين {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانً} .
-ودائرة القربى {وَذِي الْقُرْبَى} .
-ودائرة اليتامى والمساكين {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ}
-ودائرة الناس جميعا {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} .
كما وَسَّعَت النصوصُ الشرعية دائرة الإحسان لتشمل كل ذي كبد رطبة فيما رواه مالك في الموطأ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ إِذْ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ وَخَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ فَقَالَ: الرَّجُلُ لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنْ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ مِنِّي فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ لَأَجْرًا؟ فَقَالَ: فِي كُلِّ ذِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ) ، ليكون الإحسان في نهاية المطاف هو القاعدة الراسخة التي بنيت عليها العبادة في كل دين أرسل به أنبياء الله، قال تعالى: {وأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} البقرة 195، وقال: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} ، وقال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْء) .
ثم أردف مراتب الإحسان هذه بأمر إقامة الصلاة وفيها بعد حَقّ الله في العبادة حقٌّ للخلق في الانتهاء عن الفحشاء والمنكر، وإيتاء الزكاة وهي حق ذوي الحاجات من الفقراء والمساكين، قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} .
هذا فصل من بنود ميثاق بني إسرائيل الذي واثقهم به الله تعالى، فكيف كان وفاؤهم به؟
أما إحسان التوحيد والعبادة فالعجل شاهد على شركهم الصريح.