فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 523

وأما الإحسان إلى الوالدين فينبئك عنه ما وصموا به آباءهم الأنبياء إبراهيم ويعقوب وداود وغيرهم من تهم بالفواحش التي يندى لها الجبين، مما حشوا به زورا وبهتانا كتبهم بدءا من التوراة المحرفة، وانتهاء بتلمودهم المنتحل المزور.

وأما اليتامى والفقراء والمساكين فقد ضيعوهم وسخروهم في محاربة الدعوات الصادقة والتشهير بأهل الحق نظير رشى سموها صدقات.

وأما القول الحسن للناس فقد عبروا عنه بقولهم: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} آل عمران 75.

وأما الصلاة والزكاة فقد وظفوهما لاستغفال العامة وابتزازهم.

لقد كان ميثاق بني إسرائيل لهم إرشادا قيما يعينهم على أن يحسنوا صلتهم بالخالق والمخلوق، عبادة خالصة لله تعالى، أداء للصلاة والزكاة يفعم حياتهم بشذا الأمن وعبق الإيمان، ومعاملة بين الناس تنشر المحبة والمودة والتعاون على البر، وتكافلا اجتماعيا يحقق الكفاية والرخاء، وكان عليهم أن ينتفعوا بهذه التشريعات الربانية، لكنهم عموا وصموا وعصوا، شركا وعقوقا وإساءة للأقارب وخذلانا لليتامى والمساكين، وفحشا في معاملة الخلق، وتركا للصلاة ومنعا للزكاة، وقطعا لما أمر الله به أن يوصل، فكان لابد من صدور الحكم الإلهي العادل عليهم مستثنيا من أسلم منهم صادقا في زمني موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وهم قلة قليلة، قال تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} ، في إشارة واضحة إلى أن إعراضهم عن الحق عادة متأصلة فيهم لا يرجى لهم منها شفاء، وأن وجود عدد قليل من المخلصين في الأمة لا يمنع نزول العقاب بها متى فشا المنكر في الأكثرين. قال صلى الله عليه وسلم: (أوحى الله عز وجل إلى جبريل عليه السلام: أن اقلب مدينة كذا وكذا بأهلها، قال: يارب إن فيهم عبدك فلانا لم يعصك طرفة عين، قال: اقلبها عليه وعليهم فإن وجهه لم يَتَمَعَّر في ساعةً قطّ) أي لم يتَلوّنْ وَجْهُه غَضَبا لله.

هذه بعض بنود الميثاق المأخوذ على بني إسرائيل، توحيدا اعتقاديا وعمليا، في القلب والبدن والمال، بصفتهم أفرادا في أسرة واحدة، إلا أنه كان لابد من بنود أخرى تحفظ وحدتهم وتقي صفهم شر التمزق والتخاذل، وتأخذ بيدهم إلى الهدف الأسمى الذي ابتعثوا له، بصفتهم أمة الرسالة والاستخلاف وقيادة البشرية، لذلك حرم الله تعالى عليهم في التوراة سفك دماء بعضهم ظلما وعدوانا، وإخراج بعضهم من ديارهم أو طردهم من بين أهلهم وتشريدهم بغير الحق. وهو ما يذكرهم به رب العزة تعالى، تعدادا لجرائمهم وكبائر آثامهم بقوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} ، أي اذكروا إذ حرم عليكم ميثاقكم أن يقتل بعضكم بعضا، أو أن يريق بعضكم دماء بعض، أو يطرد بعضكم بعضا من ديارهم، بصفتكم أهل ملة واحدة وبمثابة نفس واحدة، تسيرون لهدف واحد هو عبادة الله ونشر دينه بين عباده، وإذ اعترفتم بهذا الميثاق وتلوتم نصوصه في التوراة يوم رفع الطور

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت