فوق رؤوسكم {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} ، وورثتم تشريعاته كما ورثتها أمم الرسالة من يوم هبوط آدم عليه السلام إلى قيام الساعة، كلها كالكتيبة الواحدة المتماسكة سوقا وتعبئة، تكافلا وتراحما وتعاونا على البر والتقوى، قال عليه الصلاة والسلام: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) . وبدلا من أن تحفظوا وحدتكم وتحقنوا دماءكم وتوفروا الأمن لأمتكم في الأنفس والديار والأموال والأعراض، وتؤدوا ما نيط بكم من تكاليف العبادة والدعوة إلى التوحيد، وتكونوا يدا واحدة على من سواكم من المشركين وعبدة الأوثان، ها أنتم تعينون عدوكم بالإثم والعدوان والمعصية والظلم على أهل ملتكم، وتساهمون معه في سفك دماء إخوانكم، وتشريدهم وهتك أعراضهم وسبي أبنائهم وبناتهم وزوجاتهم وإخراجهم من بيوتهم {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} ، ثم تبالغون في السخرية بالميثاق والاستهانة بتعاليمه والتلاعب بتوجيهاته فتتصنعون الامتثال للدين بتذكر أسرى عدوانكم وظلمكم لتفدوهم من آسريهم بالمال {وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ} ، متغافلين عن أن قتلهم وإخراجهم من بيوتهم محرم عليكم ابتداء {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} .
ولئن كان الخطاب في هذه الآيات الكريمة موجها إلى عموم بني إسرائيل وقد سقطوا في هذه الموبقات عبر مسيرتهم الطويلة، فإنها تعني مباشرة يهود المدينة في علاقتهم مع بعضهم وعلاقتهم مع حلفائهم الوثنيين من الأوس والخزج، وكان يهود بني قريظة حلفاء للأوس، ويهود بني النضير وبني قينقاع حلفاء للخزرج، فلما قامت في الجاهلية حرب"سُمَيْر"وكانت بين الأوس والخزرج أعان بنو قريظة حلفاءهم من الأوس، وبنو قينقاع وبنو النضير حلفاءهم من الخزرج، وقتل بذلك اليهود من الطرفين، وخربت ديارهم وشردوا من بيوتهم، وأسر لدى الأوس منهم فريق ولدى الخزرج منهم فريق، ثم لما انتهت الحرب، جمع اليهود الأموال لفداء الأسرى لدى الطرفين المتحاربين، فعيرتهم العرب وقالوا لهم: تقاتلونهم وتفدونهم؟!، فقال اليهود: قد أمرنا أن نفديهم وحُرم علينا قتالهم، قالوا: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نسْتحي أن يُذَل حلفاؤنا.
وهذا القول منهم مجرد تبرير وغطاء لسياستهم الذليلة الخائرة التي تمسك دائما العصا من وسطها فيكونون مع الشيء وضده والخصم وخصمه، مندسين في هؤلاء وأولئك متخذين من الطرفين المتعاديين والمعسكرات المتطاحنة مجالا للمناورة والمكر والكسب الحرام والحفاظ على المصالح الخاصة، وهي مزاجية اليهود في التعامل مع الحق دائما، خطة من لا يثق بالله، ولا يعتمد على نصره، ولا يركن إلا إلى الدهاء والمكر والمناورة.
لذلك وبخهم رب العزة تعالى على ذلك فقال: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَاب} وهو وجوب فداء الأسرى، {وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} وهو تحريم قتل إخوانكم وإخراجهم من بيوتهم، {فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إلاَّ خِزْيٌ}