إن الإنسان لم يخلق عبثا ولم يهبط إلى الأرض دون هدف أو تقدير {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} المؤمنون 115، ولكن ليجتاز اختبار اللياقة والأهلية للنعيم الأبدي في رياض الرحمة واللطف الإلهي في الجنة، اختبار التدافع بين الخير والشر، بين الإيمان والكفر، بين الحق والباطل، وأنزل إليه الكتاب مبينا ما يحتاجه في معركته ضد الشيطان وأوليائه، فيه أقوى سلاح، سلاح الإيمان واليقين، وسلاح {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} الفاتحة 5، وسلاح الولاء للصف الرباني {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَه .. } الفتح 29، وسلاح البراء مما يغضب الله وممن يغضبونه، {وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا} النساء 119، فإن أخذ المرء هذه الأسلحة بقوة، ورفع عماد الحق في نفسه وأهله ومجتمعه بصدق، فاز وأفلح وأنجح، واقتحم العقبة على هدى من ربه إلى النعيم الأبدي {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَة وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} البلد 11/ 18، {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .
قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) } سورة البقرة
تمر بالمسلمين أفرادا وجماعات ودولا، ظروف سياسية وأحوال اجتماعية واقتصادية مختلفة أحيانا ومتناقضة أحيانا أخرى، فيكونون في أشد الحاجة إلى تبصرة القرآن وحكمة التنزيل، وعناية الفرقان، {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} الإسراء 82، كان هذا حالهم في مجتمعهم الأول والقرآنُ يتنزل منجما، وسيبقى أبد الدهر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، تمر بهم النوائب والمحن، ويحاصرهم الأعداء من كل حدب وصوب، فيجدون في القرآن الكريم مأمنهم المكين، وملجأهم الحصين، ومراشدهم النيرة.
في مجتمع مكة وقد قوطعوا وحوصروا وطوردوا وعذبوا، يبصرهم القرآن بطرائق معاملة المشركين من أم القرى وما حولها، ويقوي نفوسهم لتحمل الأذى وانتظار الفرج من ربهم، ويحذرهم من عاقبة الاستعجال، حينا بقوله تعالى لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا