صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أمثال ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما، فكان الشطط في الفهم والغبش في التصور نتيجة منطقية لهذا التصرف.
إن هذا الاتجاه في تأويل الآية الكريمة، لم ينبثق أول الأمر من فقه أو تفسير أو شرح بالسياق أو بأصول اللغة، وإنما انطلق من محاولات بعض الشعراء التقرب من الملوك واحتلاب أموالهم وأعطياتهم، فأضفوا عليهم في قصائد المدح صفات الخلافة عن الله تعالى] [1] [، تأثرا منهم برواسب معتقدات دينية ضالة ترى الوجود مظهرا من مظاهر الألوهية كما لدى البوذية والبرهمية، أو تجسد الله تعالى في الإنسان، أو تزعم أنه خلق آدم على صورته، أو أن له ولدا كما لدى اليهودية والنصرانية، تعالى الله على ذلك علوا كبيرا، ثم عندما نشطت حركة التفسير في ظل هيمنة الإسرائيليات والنقل من الثقافات الوافدة والترجمة والقصص وعلم الكلام والفلسفة والجراءة على وضع الحديث وانتحاله، وشطحات مداحي الملوك والأمراء من الشعراء، ولم يجد المشتغلون بالتفسير نصوصا صحيحة يرجعون إليها واستبعدوا المعنى المتبادر لغويا، كان الجنوح إلى هذا الخطأ العقدي باعتبار الإنسان خليفة لله تعالى.
وكعادة كل خطأ، يبدأ صغيرا ثم يتسع، كانت مسيرة تناول هذه الآية بالفهم والشرح، إذ لم يتجاوز المفسرون فيها أول الأمر مجرد عرض الآراء والأخبار إلى المفاضلة بين الآراء والترجيح للأقوال وإصدار الأحكام الحاسمة؛ وهو ما فعله مفسرون مثل ابن الجوزي (508/ 597 هـ) في كتابه"زاد المسير في علم التفسير"، حيث استعرض ما ورد في شرح الآية من أقوال ليس لها أصل في الوحي كتابا وسنة، فقال معلقا على خبر بأن آدم خلف ملائكة كانوا يعيشون في الأرض: (وفي هؤلاء الملائكة قولان: أحدهما جميع الملائكة، قاله السدي وأتباعه، والثاني أنّهم كانوا مع إبليس حين أهبط إلى الأرض، ذكره أبو صالح عن ابن عباس ... ونقل أنّه كان في الأرض قبل آدم خلق، فأفسدوا فبعث الله إبليس في جماعة من الملائكة فأهلكوهم. والخليفة هو القائم مقام غيره، يقال: هذا خلف فلان وخليفته. وفي معنى خلافة آدم قولان أحدهما أنّه خليفة عن الله تعالى في إقامة شرعه ودلائل توحيده والحكم على خلقه، وهذا قول ابن مسعود ومجاهد، والثاني أنّه خلف من سلف في الأرض قبله، وهذا قول ابن عباس والحسن) .
(1) - مثل قول مسكين الدارمي في معاوية وابنه يزيد وبني أمية:
بني خلفاء الله مهلا فإنّما يبوئها الرحمن حيث يريد
إذا المنبر الغربي خلا ربّه فإنّ أمير المؤمنين يزيد
وقول حادي عبد الملك بن مروان:
يا أيّها البكر الذي أراكا عليك سهل الأرض في ممشاك
خليفة الله الذي امتطاكا لم يعل بكرا مثل ما علاكا