ثم ازدادت زاوية الخطأ انفراجا عند من جاء بعده، فأخذ بعض المفسرين يميلون إلى ترجيح رأي على رأي وتأويل على تأويل، كما هو واضح في"مجمع البيان"للطبرسي، الذي يعدّ من أكابر علماء الإمامية في القرن السادس الهجري إذ قال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} (أي خالق في الأرض خليفة؛ أراد بالخليفة آدم عليه السلام، فهو خليفة الله في أرضه يحكم بالحق؛ إلاّ أنّه تعالى كان أعلم ملائكته أنّه جعل من ذريّته من يفسد فيها، عن ابن عباس وابن مسعود. وقيل: إنّما سمى الله تعالى آدم خليفة، لأنّه جعل آدم وذريّته خلفاء للملائكة، لأن الملائكة كانوا من سكان الأرض) .
ثمّ بلغت زاوية الخطأ في تفسير هذه الآية مداها لدى القرطبي في القرن السابع الهجري، إذ استعرض في كتابه"الجامع لأحكام القرآن"مختلف التأويلات المتداولة في الموضوع، ولكنّه تبنى في النهاية نظرية"الخلافة عن الله"بقوله: (والمعنيُّ بالخلافة هنا في قول ابن مسعود وابن عباس وجميع أهل التأويل، آدم عليه السلام، وهو خليفة الله في إمضاء أحكامه وأوامره) ، ثم لم يكتف بهذا القدر، بل وظف هذا التأويل أسوأ توظيف، بأن جعله قاعدة لنظام حكم استبدادي كهنوتي نُسب ظلما وعدوانا إلى الإسلام، فقال: (هذه الآية - وكان حريّا به أن يقول: هذا التأويل الفاسد للآية - أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به الأحكام، ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأئمة إلا ما رُوي عن الأصم) .
إن القرطبي - على فضله - تورط في هذا التأويل الذي لا أصل له، وليس هذا بمستغرب منه في تفسيره، فقد دأب على مجاراة عصره في النقل عن الإسرائيليات والاستشهاد بها، وعدم الدقة في المعلومات الكونية؛ من ذلك ما ذكره في قوله تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} الحاقة 17، من أنهم ثمانية أملاك على صورة أوعال، ثم زاد المفسرون بعده أنهم:"أنهم أوعال بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين سماء إلى سماء"، ثم:"على ظهورهم العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء".
ثم تتابع المفسرون على الوتيرة نفسها، يحاولون تكريس هذا المعنى وتبريره، بعضهم لأهداف سياسية، وبعضهم بحسن نية تقليدا ومتابعة؛ مثل علاء الدين البغدادي الخازن في كتابه"لباب التأويل"حيث يقول: (والصحيح أنه سمي خليفة الله في أرضه لإقامة حدوده وتنفيذ قضائه) .
ومثل أبي حيان الأندلسي (682 - 749 هـ) في كتابه"البحر المحيط"وقد حاول بهرجة هذا التأويل، وتبريره وتعميمه على جميع البشر، فوضع بذلك اللبنة الأولى التي بنى عليها المحدثون من المفسرين ادعاءهم بأن الإنسان - مطلق الإنسان - خليفة لله في الأرض، وذلك بقوله: ( ... ومناسبتها أنه تعالى لما امتنّ عليهم بتشريف أبيهم وتكريمه