فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 523

وجعله خليفة وإسكانه دار كرامته وإسجاد الملائكة تعظيما لشأنه ... ولا شكّ أن الإحسان إلى الأصل إحسان إلى الفرع، وشرف الفرع بشرف الأصل .. ).

ومثل أبي السعود في القرن العاشر وقد تردّد في الحسم، ولكنه حاول تبرير ما ذهب إليه غيره من خلافة آدم عليه السلام لله سبحانه وتعالى، فقال: (والمراد بالخلافة إمّا الخلافة من جهته سبحانه وتعالى في إجراء أحكامه وتنفيذ أوامره بين الناس وسياسة الخلق، لكن لا لحاجة به تعالى إلى ذلك، بل لقصور استعداد المستخلف عليهم وعدم لياقتهم لقبول الفيض بالذات، فتختص بالخواص من بنيه، وإمّا الخلافة ممن كان في الأرض قبل ذلك فتعمّ حينئذ الجميع) .

ومثل شهاب الدين الآلوسي البغدادي في القرن الثالث عشر الذي قرر أن (آدم خليفة لله في أرضه) ثم برر ذلك بقوله: (لا لحاجة به تعالى، ولكن لقصور المستخلف عليه، لما أنّه في غاية الكدورة والظلمة الجسمانية، وذاته تعالى في غاية التقديس) .

وغير خفي ما في قولي أبي السعود والألوسي من تأثير للفلسفة اليونانية ونظرية الفيض التي عنى بها الفلاسفة أن الله تعالى - واجب الوجود كما يسمونه - لا يخلق الموجودات، ولكنها تفيض عنه وتنبثق منه بدون إرادته، أي تصدر منه وتتولد عنه بطريق الفيض بدون وعي منه أو إرادة. وهذا الفيض أو الصدور أو الخروج، في عقيدتهم، دائم وضروري وواجب. وكما تخرج الشجرة الثمرة ليس لها إلا ذلك، كذلك يصدر الوجود عن الله ليس له إلا ذلك، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وهذه النظرية في أصلها تلفيق لهلوسات أفلوطين وفيلون والمعتقدات الوثنية والمجوسية التي تعتقد أن الموجود الأول الواحد لا يفيض عنه إلا واحد هو العقل الكلي، أو العقل الأول، أو العقل الفعال، تختلف التسميات والمقصود واحد. ومن هذا العقل الكلي تفيض النفس الكلية، وعن النفس الكلية تفيض الأشياء المادية. وكلما فاض شيء من شيء تعلق الفائض بمصدره وامتلأ منه نورا. فالعقل تعلق بالموجود الأول وتلقى منه النور، والنفس تعلقت بالعقل وتلقت منه النور، والموجودات المادية كذلك تعلقت بالنفس. والإنسان الذي يتلقى الفلسفة، يتحول إلى عقل متصل بالموجود الأول، يتلقى منه النور والحقيقة، ولذلك له حق التحكم فيمن سواه من البشر؛ لأنه هو الوحيد الذي يستطيع أن يبلغهم إلى السعادة، وهو الملْهَمُ القادر، نبيا كان أو فيلسوفا أو ملكا.

لكن هذا الاتجاه في تفسير الآية وتأويلها بغير علم من كتاب أو سنة، لم يمنع بعض كبار الأئمة من التثبّت في الأخذ والتشبّث بالحق، مثلما هو حال الإمام الشوكاني الذي أهمل ما ذهب إليه عامة المفسرين واكتفى بقوله: (والخليفة هنا معناه الخالف لمن كان قبله من الملائكة، ويجوز أن يكون بمعنى المخلوف، أي يخلفه غيره) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت