فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 523

والإمام ابن كثير الذي استعرض هذه التأويلات دون أن يأخذ بها، وإنما قرر حاسما في الأمر بقوله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَة} : أي قوما يخلف بعضهم بعضا قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ} الأنعام 165، وقال: {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ} النمل 62، وقال: {وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ} الزخرف 60، وقال: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْف} الأعراف 169. ثم انتقل للرد على أصحاب التأويلات الأخرى بقوله: (وليس المراد هاهنا بالخليفة آدم عليه السلام فقط، كما يقوله طائفة من المفسرين، وعزاه القرطبي إلى ابن عباس وابن مسعود وجميع أهل التأويل، وفي ذلك نظر، بل الخلاف في ذلك كثير حكاه الرازي في تفسيره وغيره) .

من هذا الخطأ في التفسير تسلل الغبش إلى التصور الإيماني لدى بعض المسلمين، فدأبت بعض الأدبيات الإسلامية الحديثة، عند شرحها لهذه الآية الكريمة، على الزعم بأنّ الإنسان خليفة لله تكرمةً منه سبحانه لآدم وبنيه. ورد هذا التأويل لدى أغلب مفسّري العصر الحديث دون تبيّن أو تثبّت أو تمحيص، ومتابعة منهم لما ورد في بعض كتب التفسير القديمة ضعيفا وغير معتبر، أو ترجيحا اجتهاديا على غير قاعدة شرعية، وتأثّرا منهم بالتوجهات الفكرية الليبرالية الحديثة التي تدعي تكريم الإنسان وتقديسه، ومحاولة لوضع الإسلام في خط مواز أو مساو أو متجاوز لها.

ثمّ تلقف هذا التأويل بعض الدعاة المعاصرين، محاولين الاستفادة منه في مجال تأليف القلوب لما يثيره في النفس من أسباب الحبور والسعادة، وما يدغدغه فيها من كوامن التسامي والطموح إلى الكمال والتعالي على المخلوقات الأخرى غير البشرية.

إن ما ذُهِبَ إليه من الزعم بأن الإنسان خليفة لله في الأرض قد يؤدي إلى فساد العقيدة، لأن تصور إمكانية قيام مخلوق بالنيابة عن الله شرك صريح وإلحاد، وتصور لله على غير حقيقته، تجسيدا ومحدودية وغيابا عن أماكن ينوب عنه فيها غيره، وحضورا في أماكن يمنعه الحضور في غيرها، واحتمالا لوجود خلفاء آخرين له في كواكب وأكوان أخرى مادام له خليفة في الأرض، أو لدى أمم غير بشرية أخرى كالجن والحيوان مادام له خليفة لدى أمة البشر، وزعما بأن تقدس ذات الله سبحانه وتعالى يمنعه من تسيير أمر الإنسان مباشرة كما زعم الألوسي، وبأن خاصة من البشر دون عامتهم لهم القابلية واللياقة لقبول"الفيض بالذات"من الله تعالى، كما ذكر أبو السعود.

وقد نشأ عن هذه التصورات غير السليمة تفكك في المجتمع الإسلامي عبر التاريخ، ونشوء فرق ومذاهب وطرق صوفية مغرقة في الضلال، قالت بالحلول، والتناسخ، والاتحاد، والانتقال. وكانت نقطة انطلاقها دائما عقيدة التجسيد، تجسيد الله في الإنسان، كما يعتقد النصارى في المسيح، وكما تحوم حوله شروح بعض المفسرين وتأويلاتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت