ولئن كان لهذا الانحراف العقدي جذور في عمق المسيرة الإنسانية الضالة، منذ كان طغاة الحكام يعدون أنفسهم آلهة كما في عهد الفراعنة، أو وكلاء للآلهة كما كان حال السومريين، أو أحرارا مقدسين من حقهم استعباد غيرهم كما كان لدى اليونانيين، فقد تسرب إلى عقيدة بعض المسلمين تحت مظلة الزعم بأن الإنسان خليفة لله تعالى، ثم بلغ الانحراف ذروته لدى من أوغلوا في الحلول والاتحاد وبلوغ الكمال المسقط للتكليف كما يزعمون، وهو ما يلتقون به مع الوجودية في اعتبارها الإنسان دائم السعي ليصير إلها، في حين أن العقيدة الإسلامية بعيدة كل البعد عن هذه الأضاليل، وليس لديها أي جنوح نحو إخراج الإنسان عن إطاره البشري في أي اتجاه، سواء في اتجاه تحوله إلى إله، أو ملاك، أو جن، أو حيوان؛ إن الإنسان في الإسلام ينبغي أن يبقى إنسانا، يقوم وينام، ويصوم ويفطر، ويتزوج ويطلق، ويخطئ ويصيب، ويذنب ويتوب، ويتذكر وينسى، ويتعب ويستريح، إن الإسلام ليس فيه مثال مطلق يخرج الإنسان عن فطرته وطبيعته، والمثال المطلق الوحيد لديه هو التطبيق الممكن لتعاليمه، في حدود طاقة المرء العقلية والجسدية والتصرفية. والسعيُ اليوميُّ لبلوغ هذا"المثال الممكن"هو الذي يعدّ كمالا.
إن الزعم بأن الإنسان خليفة لله تصور مبتدع لم يرد به كتاب، ولم تتحدث به سنة، ولا يستسيغه عقل سليم، كما أن الصحابة رضي الله عنهم، وهم تلامذة النبي عليه الصلاة والسلام وأمناء الرسالة بعده، وأعرف بلغة القرآن، عالجوا مشاكلهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بُعيد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فلم يتورط أحد منهم في هذا التصور، لا رواية لحديث صحيح، ولا احتجاجا في مواطن كانوا أحوج فيها إلى الدليل والبرهان والإقناع، ولا استشهادا بهذه الآية الكريمة من أجل تنصيب مرشح للإمارة أو استبعاد آخر منها. ويوم السقيفة خير شاهد على ذلك، فقد كانوا يطلقون على القائد المرتقب للأمة لفظ"أمير"، كما قال الأنصار، فلم يرد عليهم أبو بكر وعمر بأي نص قرآني دحضا لرأي، أو دعما لغيره؛ ثم ينفض اجتماع السقيفة عن اختيار أبي بكر لتسيير شؤون المسلمين، دون أن يتفقوا حتى على لقب يطلقونه على أميرهم الجديد، فيخاطبه بعض عامة المسلمين: يا خليفة الله، ولكن أبا بكر ينتفض لما في ذلك من خلل عقدي، ويرد عليه بما ذكره السيوطي في"تاريخ الخلفاء": وابن خلدون في"المقدمة": (لست خليفة الله ولكنني خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم) .
إن الله تعالى غني عن العالمين، لا يشغله شأن عن شأن، ويستحيل أن ينوب عنه مخلوق في تسيير خلقه، لأنه مالك كلّ شيء وملكه وربّه ورازقه ونافعه وضاره ومحييه ومميته، وهو معهم أينما كانوا بغير حلول أو انتقال أو تجسيد أو تشبيه، يسمع دعاءهم ويجيب مضطرهم ويعلم سرّهم ونجواهم، بدون واسطة من جنّ أو إنس أو ملائكة أو غيرهم؛ والإنسان مخلوق من جملة مخلوقات الله، عبد من عبيده طوعا أو كرها، مقهور تحت قاهريّته المطلقة، مربوب تحت ربوبيته الشاملة، بقيوميته الكاملة.