والصلة بين الله والإنسان رسولا كان أو نبيا أو شخصا عاديا صلة عبودية خالصة {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذاريات 56، على سبيل الحصر والتأكيد، الإنسان في التصوّر الإسلامي شيء مثل جميع المخلوقات الأخرى، والله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء وهو السميع العليم.
هذا التصوّر الشامل عندما يختل، يختل تبعا لذلك الدين كلّه، عقيدة وعبادة وشريعة وعلاقات اجتماعية. فينشأ بين البشر من يزعم لنفسه أو لغيره من المخلوقات، بشرا أو جنّا أو ملائكة أو حجرا أو شجرا، صفاتٍ مميزةً وقدراتٍ خاصةً لتلقي الإلهام أو الغيب أو الحكمة أو النور، فتفتح بذلك أبواب للضلال بالزيادة أو النقص، أو بإنشاء التكاليف أو إلغائها، أو بالشرك ظاهرا وخفيا.
ولعل معترضا على هذا المفهوم للفظ"خليفة"في هذه الآية الكريمة يستظهر بمخاطبة الله تعالى عبده داود عليه السلام وقوله له: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} ص 26، ولكن هذا الخطاب لا يعني أنه خليفة لله، وإنما هو خليفة لمن سبقه من ملوك بني إسرائيل، ومخلوف من بعده بابنه سليمان عليه السلام، لإقامة شريعة موسى عليه السلام، ومنهاج اليهود من أهل الكتاب أن تسوسهم الأنبياء، والملك والنبوة عندهم يجتمعان في شخص واحد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي) ، وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا} المائدة 20، أما نحن المسلمين فمنهجنا غير منهج أهل الكتاب كما قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ} المائدة 48، والرسول صلى الله عليه وسلم أشرفُ ما خُوطبَ به فعُرف البشر في وجهه، كما لم يعرف من قبل، حين كان يصفه الله تعالى في القرآن بالعبد، مثل قوله: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} النجم 10، وشرعتنا في هذا المجال، نظامَ حكم وخلافةً على منهاج النبوة، مرجعنا فيها من القرآن الكريم قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم} الشورى 38، ومن التوجيه النبوي سنته العملية صلى الله عليه وسلم وقد جعل كافة المسلمين مسلطين على أمرهم الدنيوي تقريرا وتنفيذا ومحاسبة وانتفاعا، وسنته القولية فيما رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها؛ ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها؛ ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها؛ ثم تكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها؛ ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت) .