فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 523

ثم يلتفت القرآن الكريم بروعة بيان، من خطاب الغيبة إلى خطاب الحضور، فيوجه لهم سؤالا استنكاريا يوبخهم على كفرهم، والحال أن لديهم من الأدلة العقلية والمشاهدات اليومية ما يدعوهم إلى الإيمان، فيقول: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} .

كيف تنصرفون عن الإيمان إلى الكفر، وأنتم تعلمون أن الله خلقكم من عدم، هو الموت الأول أو الموات الأصل {هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مِّنَ الدهر لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا} الإنسان 1، فأخرجكم للحياة من نطفة خلقها فيكم، وخلق منها لكم وأمام أعينكم البنين والبنات، ونشأ من الفرد الواحد الأسرة ثم القبيلة ثم الشعب، وأمام أعينكم يموت من يموت، والذي أخرجهم أول مرة للحياة قادر على إعادتهم إليها بعثا ونشورا ومحاسبة ومجازاة {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} القيامة 37/ 40، {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} الأحقاف 33.

إن لكم في أنفسكم أوضح دليل على قدرة ربكم وقد خلقكم من عدم، من الفراغ المحيط بكم خلق لكم الذرية، وخلق حولكم مختلف الكائنات الحية، ومن التراب الذي تسعون فوقه، خلق النخل والرمان والفواكه صنوان وغير صنوان، إن الخلق الجديد يتوالى أمام أعينكم كل لحظة، في الطائر يطير والحشرة تسير، والمرأة تنجب، والناقة تنتج، ورسل الموت بين ظهرانيكم يتوفون الأنفس في رحلة أخرى إلى عالم الغيب بعثا وحشرا ومساءلة، إنكم ترون غرة كل خلق جديد حولكم وتشهدون تمامه وختام أجله، فإن لم تهتدوا بهذا كله فأمامكم الكون الفسيح، وقد خلقه الله لكم أرضا وسماء، على علم منه وإحاطة بكل شيء {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت