تكريمها، وحقرها من حيث ظن أنه يعظمها، ووقع في المحظور طردا ولعنة، وجَيَّشَ أولياءَه وأتباعَه لمحاربة الله تعالى ورسله وأوليائه ومُشَاقَّتِهِم {وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} الحشر 4، {ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} المائدة 33.
نفس التلبيس توسَّل به إبليس لإغواء آدم وزوجه واستدراجهما للمعصية، قال تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} طه 120، {وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} الأعراف 20/ 21.
إن التلبيس يستهدف الحق دائما بالتمويه والتدليس، إما أن يلفه بالغموض والإخفاء فيختلط الحق بالباطل والصواب بالخطأ والعدل بالظلم، أو يناله بالنقص تحت مبرر التسامح والتيسير والتقريب، أو بالزيادة تحت غطاء التزهد والتحبب والقربى، أو بالإرجاء والمماطلة وطول الأمل قضاء للشهوة وطلبا للرئاسة وأمنا من مكر الله واستبعادا للأجل ويوم الحساب، وكل هذه المزالق تعرض للمرء تغريرا وتلبيسا من الشيطان وأوليائه، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُم} الأنعام 137، فكان التلبيس على المشركين بتوهمهم أن في قتل أولادهم قربة إلى الأصنام، لذلك قال تعالى: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} النساء 120، وقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} الأنعام 112.
إن سلاح الشيطان في كل تلبيسه هو الكذبُ والافتراءُ والوسوسةُ والتمويهُ وتخليطُ الحق بالباطل، وتحبيبُ الشهوات والتغريرُ بضعاف النفوس الجاهلين للحق أو الغافلين عنه، والتسويفُ في التوبة والعمل الصالح، حتى إذا حل غضب الله بالمرء يوم القيامة أعلن براءته من أوليائه وضُلَّال أتباعه {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} إبراهيم 22.
إن قصة الشيطان مع بني آدم هي قصة التلبيس بأصنافه وتلاوينه وأساليبه، لقد خلق الله عباده على الفطرة السوية والحنيفية السمحة والإيمان به محبة وتوحيدا وطاعة، {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} التين 4، ولكن الشيطان أركس كثيرا منهم في الدرك الأسفل من الضلال، وهو ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إن الله جل وعلا أمرني أن أعلمكم مما علمني يومي هذا، وإنه قال لي: إني خلقت عبادي حنفاءَ كلهم، وإن كل ما أَنْحَلْتُ عبادي فهو لهم حلال، وإن الشياطين أتَتْهم فاجْتَالَتْهم عن دينهم، وحرَّمَت عليهم الذي أحلَلْتُ لهم، وأمَرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا) .