فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 523

لقد كان التلبيس هو السوس الذي نخر أمم الرسالة على مدار الحياة في الأرض، من قوم هود وصالح وشعيب وموسى وعيسى ومحمد وغيرهم من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. وكان أشد الأقوام تمسكا به واستعمالا له أمة بني إسرائيل، وإن لم تنج منه الأمة الإسلامية في جميع المجالات العقدية والعبادية والاجتماعية والسياسية، وكانت عاقبة تلبيس بني إسرائيل كفرا وغضبا من الله ولعنة، ومآل أمة الإسلام ما تعانيه حاليا من ذلة وصغار واستبداد واستضعاف من حكامها وأعدائها في سائر الأقطار.

ولئن لبس اليهود على أنفسهم فزعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وسألوا موسى أن يتخذ لهم إلها كما للوثنيين إله، وعبدوا العجل في غيابه، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، فإن المسلمين أيضا قد وقعوا في شراك الشيطان على نفس النهج، فبرروا حكم القوانين الوضعية بالمصلحة المرسلة، وموهوا على الشورى بالديمقراطية، ودلسوا على الرزق الحلال بكسب السياحة ومهور البغايا والشواذ، وتقاعسوا عن إصلاح أنفسهم ومجتمعهم خوف الفتنة الموهومة، وعتموا على استعلاء الإيمان وعزة أمته بادعاء وحدة الإنسانية وانتحال جامعية الإيمان بين اليهودي والنصراني والمجوسي والوثني، ولبسوا على مقياس التقوى الذي يُتَفَاضَل به عند الله والناس، بسنة شيطانية {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} الأعراف 12، تفاخرا بالألوان والأعراق والأصول، وتغاليا في الأقدار كما يتغالى النخاسون في أسواق الجواري والعبيد، أو تجار الماشية في أسواق بهيمة الأنعام، ونسوا قول رسولهم صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنْ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتنَ)

إن التلبيس قائم على ثلاث ركائز، أولاها تشويه الحق والتشكيك فيه وتمييع معناه، وثانيتها تحسين الباطل تحت مسمى المصلحة أو البدعة الحسنة، وثالثتها محاولة الخلط بين الحق والباطل بدعوى تكاملهما وعدم تنافرهما أو تناقضهما، فَتَزْوَرُّ الحقائق الشرعية وتتغير باسم سماحة الإسلام ورفقِه ويسرِه ووسطيتِه والحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ في الدعوة إليه، بهذه الركائز رُوِّجَ للباطل في صورة حق، فتمزق صف المسلمين وتناحروا واستعانوا على بعضهم بأعدائهم {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} الحشر 14، وبها أيضا نشأت فرق النفاق العقدي كفرا وضلالا، والنفاق الاجتماعي ميوعة وفجورا وفسادا، والنفاق العرقي قوميات وقبليات، والنفاق السياسي متاجرة بالإسلام في سوق النخاسة السياسية أحزابا وتكتلات، والنفاق الاقتصادي معاملاتٍ ربويةً وكسبا حراما، والنفاق العلمي ارتزاقا بالدين على أبواب الحكام والسلاطين، قال تعالى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} آل عمران 78.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت