إن بني إسرائيل لم يكتفوا بالتلبيس على الحق وتمويهه، بل أضافوا مَثْلَبَةً أخرى هي كتمانه وإخفاؤه وقد علموه، ولذلك نصحهم رب العزة فقال: {وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} بعد قوله: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} ، لأن اللبس قد لا يكون فيه كتمان، ولكن فيه تضليل، بأن تسأل شخصا عن شيء فلا يكتمك إياه، وإنما يضللك فيبديه لك ملتبسًا يعسر معه التمييز أو يتعذر، ومعلوم أن الحق الذي كتمه المعاصرون منهم لنزول الوحي هو بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته والكتاب الذي أرسل به، متابعةً منهم وتقليدا لمن سبقهم من علماء اعتادوا التحريف والكتمان كلما غاب عنهم الأنبياء والرسل، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} الشعراء 197.
وفي تعقيبه تعالى على النهي عن التلبيس والكتمان بقوله: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} تنبيه إلى قبح المعصية من العالم وعظمها، وتوبيخ شديد لكل عالم يلبس أو يكتم في أي عصر وبين ظهراني أي أمة، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} آل عمران 187، ولئن نزلت هذه الآيات في حق أهل الكتاب توبيخا لكتمانهم أمْرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفرِهم برسالته، فإن فيها تحذيرا لعلماء هذه الأمة من أن يسلكوا مسلك أهل الكتاب فيصيبهم ما أصابهم، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ) ، وقال: (مَنْ كَتَمَ عِلْمًا مِمَّا يَنْفَعُ اللَّهُ بِهِ فِي أَمْرِ النَّاسِ أَمْرِ الدِّينِ أَلْجَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنَ النَّار) ، وقال: (مَا مِنْ رَجُلٍ يَحْفَظُ عِلْمًا فَيَكْتُمُهُ إِلَّا أُتِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلْجَمًا بِلِجَامٍ مِنَ النَّارِ) .
ثم بعد تقريرِ معالم الوفاء بالعهد، والنهيِ عن مفسدات الإيمان كتمانا وتلبيسا، وأمْرِ أهل الكتاب بتصديقِ الهدى الذي جاء به القرآن الكريم واتباعِ النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا في التوراة والإنجيل، كان العطف بقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} لتذكيرهم بأوصاف المتقين المهتدين بالكتاب في أول سورة البقرة {فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} البقرة 2/ 3، وهي إشارة منه تعالى لهم بأن يستجمعوا أصول الدين إيمانا محصَّنا ضد التلبيس والكتمان على نهج المتقين، ويقيموا أركان الإسلام صلاةً في جماعة المؤمنين، وتزكيةً للنفوس عملا صالحا، وللأموال صدقةً مُقدَّرةً ومُرْسَلةً، وهو استدراج لطيف وتدرج رحيم بهم في التربية والتعليم والترشيد، إذ عَقِبَ الأمْرِ بتحقيق العقيدة في القلوب بقوله تعالى: {وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ} وَرَد النهي عن مفسدات الإيمان تلبيسا وكتمانا، ثم انتقل بهم إلى أعظم القواعد الإسلامية بعد النطق بكلمة التوحيد فقال: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} ، لأن الإيمان وحده لا يُسْتَكْمَل به إسلام المرء، فقد يدعيه المنافق والمتجسس والمتربص، أما الصلاة والزكاة فثقيلتان على غير المسلم، لأن في الصلاة سجودا وركوعا وتعظيما لله تعالى، ونهيا عن الفحشاء والمنكر، وهي تكاليف لا يطيقها المشرك ولا الكتابي ولا