فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 523

المنافق، ولذلك كان التهاون بها والسهو عن أدائها في وقتها من صفات المنافقين، قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} النساء 142، كما أن الزكاة إنفاق للمال، والنفوسُ متعلقةٌ به، لا تجود به إلا مقابل منفعة مستجلبة، وإنفاقه في سبيل الله دليل على الإيمان باليوم الآخر وما يُوفَّى فيه من جزاء، ولذلك قرنهما الله تعالى في كثير من آيات القرآن الكريم، وجعل استثقالهما من سمات الكفر والنفاق فقال: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ} التوبة 54، وقال: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} الماعون 4/ 7.

ولأن الصلاة والزكاة حَقُّ كلمةِ التوحيد وعلامةُ صدق الإيمان، قال صلى الله عليه وسلم: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) ، وأصَرَّ أبو بكر رضي الله عنه على قتال مانعي الزكاة وعَدَّهم مرتدين، فلما راجعه عمر رضي الله عنه قائلا:"كيف تقاتلهم وقد قالوا"لا إله إلا الله"وقد قال رسول الله: (أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) ؟، أجابه أبو بكر:"لأُقاتِلَنَّ من فَرَّق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال""

ثم انتقل التوجيه الرباني إلى الاستفهام الاستنكاري لأعمال النفاق التي اتسمت بها تصرفات علماء بني إسرائيل، وهم يظهرون للناس شعار الصالحين ويبطنون أخلاق الفاسقين، ويتزيون بزي الأولياء ويفعلون أفاعيل السفهاء ترويضا منهم للعامة على الطاعة العمياء وابتزازا لهم وتحكما في أموالهم وذرياتهم، فقال تعالى توبيخا لهم وتنديدا بتصرفاتهم: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} .

إن آفة تناقض القول والعمل عندما تصيب العالم المقتدَى به، تعصف بثقة الناس به وبدعوته، فينفرون منه وتنعدم البركة من جهده، كحال غَشَشَةِ التجار والصناع عند تزيينهم بضاعتهم الفاسدة طلبا لربح مادي صرف، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} الصف 3، أما الدعاة الصادقون {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ} الأحزاب 39، والذين لا تتناقض أقوالهم مع أعمالهم ويبذلون جهدهم ومالهم وعلمهم لتبليغ رسالة الإسلام وأطر الناس على الحق، فتثمر دعوتهم وتنمو {كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} البقرة 261.

لقد كان علماء بني إسرائيل في المدينة يتصنعون للناس بادعاء الورع والتقوى ويعظونهم ببعض مبادئ الأخلاق الواردة في التوراة، وإذا لقوا مسلما نصحوه بالتمسك بالإسلام خوفا من المسلمين ونفاقا وتقية، ولذلك وبخهم القرآن على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت