فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 523

هذا الصنيع، ونبههم إلى أن العقل يقتضي إصلاح النفس قبل محاولة إصلاح الغير، وأن على المرء أن يَبَرَّ نفسه قبل أن يَبَرَّ غيرَه، وليس ذلك إلا بالتخلي عن رعونات التصنع والرياء والتكلف والتزييف والتلبيس وكتمان الحق.

كما أن في الآية تحذيرا ضمنيا لهم من أن ينقلوا معهم هذه الأخلاق الذميمة إلى الصف المسلم حال اعتناقهم الإسلام، وإشارةً واضحةً إلى معنى ثانٍ للزكاة، متعلقٍ بتزكية النفوس وتطهيرها من أدران مجتمع الكفر والنفاق، وعلى من يغادر هذا المجتمعَ أن يزكيَ جسده نظافة وغسلا، ويزكيَ ماله صدقة وبذلا، ويزكيَ نفسه برا وعدلا، قبل أن ينتقل إلى تزكية الآخرين وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. قال تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} المدثر 4/ 7، وفي الدعاء المأثور: (اللهم طهر قلبي من النفاق، وعملي من الرياء، ولساني من الكذب، وعيني من الخيانة، فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) ، والمرء مسؤول عن نفسه قبل أن يسأل عن غيره، قال صلى الله عليه وسلم: (لَا تَزُولُ قَدَمَا ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ) .

إن لِأَمْرِ الانتقال بالنفسية المريضة المنحرفة إلى السواء والاعتدال، ومن المجتمع الفاسد إلى مجتمع الطهر والصلاح، ومن الحياة البهيمية الشاذة إلى الحياة الإنسانية الراقية المسؤولة، تكاليفَ شاقةً وتبعاتٍ لا يطيقها إلا أولو العزم من الناس، من الذين لا تضنيهم طاعة، ولا تلهيهم عن الذكر شهوات، ولا تصرفهم عن طريق الله دنيا مُؤْثَرَةٌ، ولذلك دعا رب العزة أولياءه من المسلمين عامة ومن بني إسرائيل الذين أسلموا خاصة إلى وجوب الاستعانة على هذه التكاليف الشاقة بالصبر والصلاة فقال: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} .

الاستعانة بالصبر في حالتي رغبة النفس ورهبتها، إقبالها ونفورها، شجاعتها وجبنها، بخلها وعطائها، حبها وبغضها، لذتها وألمها، لأن الحياة الدنيا دار ابتلاء، يبتلى المرء بالخير فيصبر على ما قد يستدرج إليه من طغيان النعمة وكفرانها، ويقابل ذلك بالشكر وأداء حقوق الله والناس، ويبتلى بالشر فيصبر ويحتسب، وفي الحالات كلها له بصبره أجر كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ)

أما الصلاة المستعان بها فللمرء فيها اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم، ومن هديه إذا حَزَبَه أمرٌ بادر بالصلاة، ومن سنته أن يناديَ بلالا رضي الله عنه ويقول: (يَا بِلَالُ أَقِمْ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا) ، وذلك أن النفوس الطاهرة تطمئن بذكر الله، وتأنس في رحابه، لعودتها إلى فطرتها الأولى قبل أن تكدرها المعصية أو يتلبس بها الشيطان وأولياؤه، قال تعالى: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} الرعد 28، وقال: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت